Navigation – Plan du site

AccueilNuméros40Dossier – The Religious Other in ...بنو إسرائيل، وأهل الكتاب، واليهود...

Dossier – The Religious Other in Quranic Tafsīr

بنو إسرائيل، وأهل الكتاب، واليهود والنصارى

تحاوُر أمّة القرآن مع اليهود والمسيحيّين
هولجر زلنتين
Traduction de طارق عثمان
p. 31-86

Résumés

Cet article propose une nouvelle compréhension de la vision qu’a le ­Coran des juifs et des chrétiens, fondée, d’une part, sur l’évolution de leur rôle dans le discours coranique et, d’autre part, sur la ­compréhension continue par le Coran des trois désignations pour les juifs et les ­chrétiens : Banū Isrāʾīl, « les enfants d’Israël », Ahl al-Kitāb, « le peuple du Livre », et al-yahūd wa-l-naṣārā, « les juifs et les chrétiens ». Alors qu’il existe un consensus sur le fait que le terme Ahl al-Kitāb désigne à la fois les juifs et les ­chrétiens, je propose deux correctifs : premièrement, le terme Banū Isrāʾīl désigne également les contemporains juifs et chrétiens du Coran (ou, plus souvent, leurs ancêtres communs), et deuxièmement, l’usage principalement collectif de al-yahūd wa-l-naṣārā montre que les trois désignations pour les juifs et les chrétiens doivent être comprises à la fois dans leur continuité et dans la différenciation interne croissante des juifs et des chrétiens les uns par rapport aux autres.

Haut de page

Notes de l’auteur

Banū isrāʾīl, ahl al-kitāb, al-yahūd wa-l-naṣārā: The Qur’anic Community’s Encounters with Jews and Christians”, Entangled Religions 13, 2, 2023.

Texte intégral

مقدّمة1

  • 1 أُنجزتْ هذه الدراسة بفضل معونةٍ من مجلس البحوث الأوروبّيّ، في إطار برنامج «القرآن كمصدرٍ من مصادر ا (...)
  • 2 لبعض التبصّرات في القيمة التاريخيّة لتصانيف المِلل والنِحل والفرق الدينيّة البدعيّة (الهرطوقية) انظ (...)

1لا يوجد صراطٌ مستقيم يفضي بنا مِن الأقوال التبديعيّة لمِلّةٍ أو فرقة في غيرها من المِلل أو الفِرق (Heresiology) إلى الواقع التاريخيّ لهذه المِلل أو الفرق الأخرى (Historiography): فمثل كلّ توصيفات الآخَر الدينيّ في العصر القديم المتأخّر، تنبّئنا هذه الأقوال عن حال قائلها أكثر ممّا تنبّئنا عن حال من قيلتْ فيه. ولقد بيّنتْ مكتشفاتٌ مثل مخطوطات البحر الميّت ومكتبة نجع حمادي مدى ضلال الدراسات الّتي سعتْ إلى توصيف اليهوديّة الفلسطينيّة عند مطلع الألفيّة اعتمادًا على أقوال العهد الجديد، أو إلى فهم المسيحيّة «الغنوصيّة» اعتمادًا على أقوال إيرينيوس (Irenaeus) أو إبيفانيوس (Epiphanius). لكن بعدما أضحتْ أقوال «الطرف الآخر» نفسه، أخيرًا، في متناول يد الدارسين، تبيَّنَ أنّ بعض ما وصفه به الآخر الدينيّ له أساسٌ في الواقع، مهما كان هذا الأساس مُحرّفًا. ومِن شأن ذلك أن يؤكّد إمكانيّة تناقل المعرفة الدينيّة عبر الحدود الفاصلة بين الفرق الدينيّة2. لكن لكي يقيّم المرء هذه الإمكانيّة، ينبغي عليه أوّلًا أن يثبت وجود اتّصال بين هذه الفرق. تحاجج هذه الدراسة عن أنّ تصوير القرآن الدائم لتواصل أمّته، فُرادى وجماعات، مع اليهود والمسيحيّين، متّسقٌ داخليًّا ومعقولٌ تاريخيًّا. وتسعى إلى تتبّع علاقة أمّة القرآن باليهود والمسيحيّين من بداية الفترة المكّيّة وحتّى نهاية الفترة المدنيّة. وكذلك تعيد النظر في المصطلحات الثلاثة الّتي يشير بها القرآن إلى اليهود والمسيحيّين: «بنو إسرائيل»، و«أهل الكتاب»، و«اليهود والنصارى». وبتبيانها لاطّراد القرآن في استعماله لهذه المصطلحات الثلاثة للإشارة إلى كلّ من اليهود والمسيحيّين بصفتهما خليفتين مرتبطين ببعضهما ارتباطًا وثيقًا للإسرائيليّين الكتابيّين (Biblical)، تُظهر الدراسة الدوافع التبديعيّة والتاريخيّة الكامنة وراء هذه المصطلحات القرآنيّة. وإجمالًا، أسعى في هذه الدراسة إلى طرح أساسٍ أشدّ رسوخًا لتقييم تناقل المعرفة الدينيّة بين اليهود والمسيحيّين وسادتهم، من جهة، وبين النبيّ محمّد وأمّته، من جهةٍ أخرى.

  • 3 تشديدي على أنّ القرآن نصّ نبويّ، تلاه النبيّ ad libitum (حسب المراد) على أسماع أمّة ناشئة، يناقض، ع (...)
  • 4 يظلّ تحقيب ثيودور نولدكه لسور القرآن (Nöldeke, The History of the Qurʾān) أساسيًّا لحقل الدراسات ال (...)

2كنصٍّ نبويّ مُبلَّغ عن الله، لا يمكن للقرآن أن يخوض في حديث تبديعيٍّ (heresiological) صريح: بالطبع يبتغي القرآن تصحيح التأويلات الخاطئة في التراثين اليهوديّ والمسيحيّ، لكنّه لا يبني هيمنته وحجّيّته على أساس الاستقامة المذهبيّة (الأرثودوكسيّة)، وإنّما على أساس النبوّة3. يركّز القرآن على الفرد المؤمن على نحوٍ يبرز أمّته خلافًا لتصوّر المسيحيّين للكنيسة واليهود الربّيّين (Rabbinic) للشعب اليهوديّ قرب نهاية العصر القديم المتأخّر. لكنّ هذا الاختلاف لا ينفي التواصل بين أمّة القرآن واليهود والمسيحيّين، والّذي يمكن اقتفاء أثره على مدار الفترتين المكّيّة والمدنيّة (تبعًا لتحقيب نولدكه كنهجٍ تقريبيّ وعمليّ)4. وإنّما أرى، عوضًا عن ذلك، أنّ تصوير القرآن لمواجهات أمّته مع اليهود والمسيحيّين يُعدّ شاهدًا أشدّ صراحةً مِن أكثر الأخبار اليهوديّة والمسيحيّة المشابهة عن تواجههما أو مواجهتهما الفرق المبتدعة. وفي الوقت نفسه، يمكن مقارنة تسجيل القرآن لهذه المواجهات بخطاب التبديع (heresiological discourse) ومعارضته به.

3تتألّف هذه الدراسة من ثلاثة أجزاء. على سبيل تقرير الموثوقيّة التاريخيّة المتأصّلة في الأسلوب النبويّ الّذي يصوّر به القرآن تحاور النبي مع مستمعيه، ينظر الجزء الأول في عرض القرآن لحالاتٍ يطرح فيها المستمعون – اليهود والمسيحيّون في واحدة منها – أسئلةً على النبيّ. ويمهّد لنا هذا الجزء السبيل إلى الجزئين الثاني والثالث، اللّذين يركّزان على عرض القرآن للمواجهات بين النبيّ وأمّته الوليدة من جهةٍ واليهود والمسيحيّين وسادتهم من جهةٍ أخرى. ينظر الجزء الثاني في المواجهات الّتي وقعتْ في الفترة المكّيّة، والّتي كانتْ فرديّةً عمومًا. بينما ينظر الجزء الثالث في تلك الّتي وقعت في الفترة المدنيّة المضطربة، والّتي كانتْ جماعيّةً وكثيفة ويغلب عليها النزاع.

  • 5 لعلاقة القرآن بالعصر القديم المتأخر، انظرْ:
  • 6 تثبت الاكتشافات الأثريّة المتزايدة وجود جماعاتٍ يهوديّة ومسيحيّة في جنوب غرب جزيرة العرب، على سبيل (...)
  • 7 على سبيل المثال: حتّى الوعد الإلهيّ بالتدخل في المعركة الوارد في سورة الأنفال 8: 9-11، فيه قدرٌ من (...)

4الحكم على تاريخيّة المواجهات الفرديّة كما عرضها القرآن أمرٌ عسير. ومع ذلك، قلما يُشك في تواصل الأمّة القرآنيّة مع اليهود والمسيحيّين، الذي تدعمه التحليلات المتكاثرة الّتي تدرس مسائل قرآنية دقيقة في سياق العصر القديم المتأخّر (Late Antiquity)5. وأيضًا، تشير الاكتشافات الأثريّة والنقشيّة قريبة العهد إلى وجود يهود ومسيحيّين في الحجاز وحوله6. إضافةً إلى ذلك، توجد حججٌ متينة على الموثوقيّة التاريخيّة لتصوير القرآن لأحوال مستمعيه. إذ يسعى القرآن إلى إقناعهم متوسّلًا بعقلهم، وعلمهم، وتجاربهم الشخصيّة وذكرياتهم الجماعيّة. ولذلك من المرجّح أن يكون لما يرويه من اشتباكات مع أحداثٍ قابلة للإثبات وبالتالي للدحض في أثناء حياة مستمعيه أساسٌ واقعيّ7.

  • 8 قد أُرسِل موسى أيضًا، في ضربٍ من التبشير بعموميّة دعوة عيسى ومحمّد، إلى بني إسرائيل وإلى غيرهم (قوم (...)
  • 9 عن مصداقيّة القرآن التاريخيّة، انظرْ:

5والأهمّ، أنّ أكثر ما يرويه القرآن عن هذه الاشتباكات متنافر مع أهدافه الخاصّة، وهو ما يُرجّح صحّة مرويّاته هذه تاريخيًّا، وفق النهج التأويليّ الشكّيّ (Hermeneutics of Suspicion). إذ من غير المرجّح أن يختلق القرآن وجود الكفر، وهو ما يدعم تاريخيّة المواضع الّتي تصوّر نجاح النبيّ، في نهاية المطاف، في كسب الأتباع. يشدّد القرآن، خاصّةً المكّيّ، على أنّ الرسل – الّذين يرسلهم الله إلى أقوامهم عادةً، مع بعض الاستثناءات البارزة مثل عيسى ومحمّد اللّذين أُرسِلا إلى بني إسرائيل وإلى الناس كافّةً – غالبًا ما يُكذَّبون من أقوامهم. ويفيد هذا التشديد على تكذيب الرسول، أنّ تصوير القرآن لنجاحه دعويًّا وجماعيًّا وعسكريًّا، في المدينة خاصّةً، صحيحٌ تاريخيًّا على الأرجح8. وكذلك ينبغي أن نأخذ في حسباننا الاستمراريّة القويّة بين السلطة السياسيّة في المدينة والتأسيس اللاحق للحضارة الإسلاميّة9. وأخيرًا، لم يشِرْ القرآن في خلافه مع معاصريه قطّ إلى نزاعٍ على واقعٍ محسوس. ولذلك لو أنّ ما على المحكّ هو تأويل الواقع، يمكن لتصاوير الواقع نفسها، ومنها تصوير المواجهات مع اليهود والمسيحيّين، أنّ تُتّخذ – بعد تحليلها بتروٍّ – مصدرًا لبحثنا التاريخيّ.

  • 10 عن صعوبة استنباط استنتاجاتٍ تاريخيّة من تصوير المواجهات بين سادة الأمّة والمبتدعة في التراث اليهودي (...)

6لكي أتجنّب المأزق المنهجيّ الّذي قد ينتج عن المحاججة عن المصداقيّة التاريخيّة لكلّ واقعة تحاور، سأفترض أنّ تاريخيّة تحاوُر أمّة القرآن مع اليهود والمسيحيّين ليستْ محلًّا للأخذ والردّ. ولذلك أرى أنّه ينبغي علينا أن نفترض أنّ القرآن يتضمّن أدلّةً صريحة وغير صريحة على وقوع تحاوُر مع اليهود والمسيحيّين (والّتي يمكن وضعها على مقياسٍ مدرَّج من الأشدّ صراحةً إلى الأقلّ صراحةً). سأعدّ تصاوير القرآن لهذا التحاور دليلًا تاريخيًّا صريحًا (بدرجةٍ أكبر) على وقوعه، وذلك لأنّها معقولةٌ على وجه العموم، ولأنّه كان من الممكن دحضها من قِبل أيّ مستمع مكذِّب. لا يعني ذلك أن نعِدّ كلّ التفاصيل المرويّة حقائق تاريخيّةً؛ إذ من الطبيعيّ أن يروي القرآن الأحداث المشار إليها من منظوره وأن ينقّحها بما يخدم أغراضه10. إضافةً إلى ذلك، سأعدّ حديث القرآن في شأن اليهود والمسيحيّين والتراثين اليهوديّ والمسيحيّ دليلًا تاريخيًّا غير صريحٍ (بدرجةٍ أكبر) على وقوع هذا التحاوُر. وأعطي وزنًا للأدلّة الصريحة على قلّتها أثقل من الوزن الّذي أعطيه للأدلّة غير الصريحة على كثرتها، وإن كانت هذه الكثرة تخلع عليها مصداقيّةً خاصّة.

7من الجدير بالملاحظة، أنّ المواضع المكّيّة من القرآن يغلب عليها تصوير المواجهات الأمميّة على نحوٍ أشدّ ملموسيّة. لكنّنا نجد فيها، أيضًا، خطاب التبديع السائد في العصر القديم المتأخّر، وهو الأمر الّذي يتطلّب تحليلًا متروّيًا. في المقابل، يغلب على المواضع المدنيّة تصوير هذه المواجهات على نحوٍ أقلّ ملموسيّةً وأكثر توافقًا مع الأطر الخطابيّة وشبه-التبديعيّة المميّزة الّتي يضع القرآن اليهود والمسيحيّين ضمنها. وأهمّ وجهٍ لهذه الأطر المميّزة هو تصنيف القرآن لليهود والمسيحيّين كأمّتين فرعيّتين منحدرتين من أمّة واحدة: أمّة إسرائيل.

  • 11 توجد مواضع عدّةٌ أخرى تحيل، على الأرجح، إلى مواجهاتٍ مع اليهود والمسيحيّين، خاصّةً ضمن الآيات الّتي (...)

8لكي أبيّن كيف تشكّل تصوير القرآن لمواجهاته مع اليهود والمسيحيّين من خلال رؤيته لهم كإخوةٍ إسرائيليّين، سأنظر في المواضع الّتي يصف فيها القرآن، على نحوٍ لا لبس فيه، مواجهات أمّته مع اليهود والمسيحيّين، مستعملًا تسميات صريحة مثل: «بني إسرائيل»، «أهل الكتاب»، «اليهود والنصارى»، «الربّانيون والأحبار»، «قسّيسون ورهبان» (المزيد عن هذه المصطلحات فيما يلي)11. لن أركّز على حديث القرآن عن الماضي الكتابيّ وإنّما سأقتصر على اليهود والمسيحيّين المعاصرين لأمّة القرآن. ولن أطمح إلى استعمال الاستنتاجات الّتي سأخلص إليها في رسم صورةٍ واضحة المعالم لليهوديّة والمسيحيّة في غرب الجزيرة العربيّة في العصر القديم المتأخّر، حتى ولو كنتُ أرجو أن أساهم بها في إرساء أساسٍ متين للدراسات المقبلة عن هذه المسألة. وإنّما سأكتفي، عوضًا عن ذلك، بإثبات هذه الدعوى الأوّليّة: يشهد القرآن صراحةً على تحاوُر النبيّ وأمّته مرارًا مع اليهود والمسيحيّين، بدايةً من المرحلة المكّيّة الوسطى فصاعدًا، على أقلّ تقديرٍ، وهو الأمر الّذي لن يدهش دارسي القرآن.

9أقدّم في هذه الدراسة إضافتين جديدتين أساسيّتين، أوّلًا: بيان أنّ قنوات اتّصال شخصيّة عدّة لنقل المعرفة الدينيّة بين أمّة القرآن واليهود والمسيحيّين، في كلا الاتّجاهين، كانتْ قائمةً في أثناء معظم دعوة النبيّ محمّد. وثانيًا: تصنيف هذه القنوات. يشهد القرآن على وقوع الاتّصال الفرديّ بين النبيّ واليهود والمسيحيّين على نحوٍ متكرّر بدايةً من المرحلة المكّيّة الوسطى فصاعدًا. ثمّ توسّعَ هذا التحاور من خلال مواجهات أمّة القرآن مع اليهود والمسيحيّين بدايةً من المرحلة المكّيّة المتأخّرة. ثمّ أصبح شائعًا على مدار الفترة المدنيّة، التي حُفظتْ فيها المواجهات الفرديّة بين النبيّ واليهود والمسيحيّين في شكل خطاباتٍ موجّهة إلى هاتين الأمّتين حلّتْ في محلّ الأخبار الّتي أوردها القرآن عنهما في الفترة المكّيّة.

  • 12 انظر: Zellentin, Law Beyond Israel, pp. 101–105، وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 16 أدناه. ولنلاحظْ أنّ ال (...)
  • 13 لفظ طائفة المستعمل في هذه الآية من سورة الصفّ 61 مستعمل أيضًا في الآيتين 69 و72 من سورة آل عمران 3 (...)

10إضافةً إلى ذلك، أودّ أنّ أنقّح فهمنا للمفاهيم والمفردات الّتي يستعملها القرآن لوصف اليهود والمسيحيّين. إذ يبدو لي أنّ مصطلحي «بنو إسرائيل» و«أهل الكتاب» يشملان المسيحيّين إلى جانب اليهود سواءٌ كان الحديث عن الماضي الكتابيّ أم عن حاضر القرآن. والحال أنّ عدّ المسيحيّين «إسرائيليّين» لم يصبح مستغربًا إلّا في العصر الحديث. إذ نجد وصف «المسيحيّين» لأنفسهم بأنّهم «إسرائيليّون» في طبقات المسيحيّة السريانيّة الشرقيّة والغربيّة والمسيحيّة البيزنطيّة والحبشيّة12. في المقابل، رأى الربّيّون (Rabbis) أنّ الإمبراطوريّة البيزنطيّة «إدومية» وأنّ المسيحيّين، بالتالي، من نسل عيسو ]عيص[ أخي إسرائيل ]يعقوب[، وبذلك دحضوا زعم المسيحيّين بأنّهم من نسل إسرائيل لكن أثبتوا نسبتهم إلى إبراهيم في الوقت نفسه. ولقد أفضتْ هذه المزاعم المتضاربة إلى وصف القرآن لليهود والمسيحيّين بأنّ كلًّا منهما يؤلّف ﴿طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وأنّهما قد تفرّقا في زمن عيسى بن مريم (وفق الآية 14 من سورة الصفّ 61، الّتي سأعود إليها لاحقًا)13. تبيّن هذه الدراسة أنّ المصطلحات الثلاثة: «بنو إسرائيل»، و«أهل الكتاب»، و«اليهود والنصارى»، مبنيةٌ على جمع القرآن لليهود والمسيحيّين معًا، حتّى عندما يخاطب أحدهما دون الآخر (كما في سورة المائدة 5: 57-66، وانظر أدناه). وأرى أنّ هذا الجمع – الّذي تحقق من خلال تنقيح المصطلحات الكتابيّة (بني إسرائيل، واليهود، والمسيحيّين)، وسكّ مصطلحاتٍ جديدة («أهل الكتاب»)، والربط المفهوميّ بينها – يُعدّ تعبيرًا عن منظور القرآن للنبوّة، وخاصّةً عن تقديم القرآن نفسه كوسيط إلهيّ مستعدّ لفضّ النزاعات العقَديّة القائمة بين طائفتي بني إسرائيل.

  • 14 لاحظ أوري روبين، وهو مصيبٌ في ذلك، أنّ مصطلح «بني إسرائيل» يشير إلى «الأجيال الماضية من اليهود والم (...)
  • 15 أترجم مصطلح «أهل الكتاب» إلى: “Scripture people” وليس إلى: “People of the Book”، وأقتفي في ذلك بدان (...)
  • 16 بالطبع ليستْ هذه المصطلحات الثلاثة المصطلحات الوحيدة الّتي يستعملها القرآن للإشارة إلى اليهود والمس (...)
  • 17 عندما نتتبّع تطوّر استعمال القرآن لهذه المصطلحات، ينبغي علينا تذكُّر أنّ انتقال القرآن من الإشارة إ (...)

11ليستْ المصطلحات الثلاثة الأساسيّة الّتي يستعملها القرآن للإشارة إلى اليهود والمسيحيّين مترادفةً ترادفًا تامًّا. إذ يدلّ مصطلح «بنو إسرائيل» على الإسرائيليّين في الأزمان الكتابيّة بصفتهم أسلاف اليهود والمسيحيّين كليهما، أي قبل تفرّقهما إلى طائفتين، لكنّه يدلّ أيضًا على اليهود والمسيحيّين المعاصرين لأمّة القرآن14. ويدلّ مصطلح «أهل الكتاب» على اليهود والمسيحيّين المعاصرين لأمّة القرآن، على وجه الحصر15. ويدلّ مصطلح «اليهود والنصارى»، بوضوح، على اليهود والمسيحيّين المعاصرين لأمّة القرآن16. تفيد عبارة «اليهود والنصارى»، في القرآن، الصلة الوثيقة بينهما. فبذكرهما معًا في أغلب المواضع، يجمع القرآن، مفهوميًّا، بين صنفي أهل الكتاب، بين طائفتي بني إسرائيل. ولذلك سأحاجج عن أنّه ينبغي توسعة حوار القرآن الثنائيّ الأولي مع المكّيّين – معاصري محمّد من غير الإسرائيليّين – إلى حوار ثلاثيّ يشمل آحاد اليهود أو المسيحيّين في أثناء الفترة المكّيّة. وفي المدينة، طرحَ القرآن تسمياته لليهود والمسيحيّين، وسادتهم، في ظلّ مواجهاته المكثّفة والمستمرّة معهم، على نحوٍ يعبّر عن استعمالات لغويّة من العصر القديم المتأخّر17.

حديث القرآن عن التحاور بين النبيّ وأمّته

  • 18 أستند في تسميتي لأمّة القرآن بـ«المؤمنين» على فرِد دونر (Donner, Muhammad and the Believers). أخالف (...)
  • 19 العلاقة بين الطائفتين الثانية والثالثة معقّدة ونحن في أمسّ الحاجة إلى دراستها. عن هويّة المشركين، ا (...)
  • 20 عن التصور القرآنيّ للقوميّة (الإثنيّة)، انظرْ: “Goudarzi, “The Ascent of Ishmael، وقارنْ مع: Donner (...)

12القرآن خطابٌ إلهيّ مبلّغ إلى النبيّ المطلوب منه تبليغه إلى معاصريه. يتألّف مستمعو القرآن المقصودون بالدعوة – والتاريخيّون أيضًا على الأرجح – من النبيّ وثلاثة طوائف. أوّلًا: الجماعة-الذاتيّة (in-group)، أي «المؤمنون» الّذين آمنوا بأنّ النبيّ مرسَل من عند الله وأنّ القرآن خطابٌ من الله. وهم يتّسمون، في القرآن، بإذعانٍ صَموت، ويؤلّفون، على نحوٍ لا ينفكّ يتزايد، ما أسمّيه بـ«أمّة» النبيّ أو «المؤمنين». ويُعدّ النبي نفسه أهمّ فردٍ في هذه الطائفة18. ثانيًا: الجماعة-الآخريّة (out-group) وهي طائفةٌ، أو بالأحرى عدّة طوائف متشابكة، يُسمّون، على وجهٍ أشدّ تحديدًا، بـ«المشركين»، وعلى وجهٍ أشدّ تعميمًا بـ«الكافرين». ثالثًا: اليهود والمسيحيّون (إلى جانب مَن يُسمّون بالمنافقين)، الّذين يمكن عدّهم بسهولةٍ ضمن أيٍّ مِن الطائفتين السابقتين، لكنّهم يشكّلون، عمليًّا، طائفةً ثالثة بينيّة، تتّسم بموقفها المتردّد مِن رسالة النبيّ19. وهم يتشاركون، بطرائق شتّى، مع النبيّ الاعتقاد في الوحي الكتابيّ، والبعث، ويوم الحساب. في البداية، استُدعي اليهود والمسيحيّون كشهودٍ على صحّة القرآن. لكن لاحقًا، بدا أنّ أكثرهم غير مقتنعين بأنّه منزّل من عند الله، ممّا أفضى بالقرآن إلى اتّهام أكثرهم – لكن ليس كلّهم قطّ – بالشرك أو الكفر أو النفاق. ومع ذلك، لم يدمجهم القرآن دمجًا تامًّا قطُّ في الجماعة-الذاتيّة، أي طائفة المؤمنين ولا في الجماعة-الآخريّة، أي طائفة المشركين أو الكافرين، وإنما ظلّتْ هويّتهم كإسرائيليّين، متميّزي النسب، سالمةً على مدار الفترتين المكّيّة والمدنيّة20.

  • 21 لتأويلٍ لهذه السورة يضعها في سياقها الأدبيّ اليهوديّ والمسيحيّ، ولدور خصم النبيّ محمّد في بنيتها ال (...)
  • 22 بعبارةٍ أخرى، لا يعادي القرآن قطّ المسيحيّة أو اليهوديّة أو حتّى اليهوديّة الرِبّيّة في المطلق. وإن (...)

13تتنوع الحوارات بين النبيّ وصنوف مخاطبيه الثلاثة – المؤمنين، والمشركين، واليهود والمسيحيّين – على قدر تنوّع موقفهم من رسالته. لكنّ تصويرات القرآن الصريحة لتحاور النبيّ مع مستمعيه ليستْ كثيرةً كما يمكن للمرء أن يتوقّع من نصٍّ يقدّم نفسه بالكامل كخطابٍ إلهيّ إلى نبيٍّ مطلوب منه تبليغه إلى الناس كافّةً. لكنّه يشير، طوال الوقت، إلى المواجهات السجاليّة والعدائيّة بين النبيّ وأمّته من جهة والمشركين والكافرين من جهةٍ أخرى. على سبيل المثال، تركّز سورة العلق 96، وهي سورةٌ مكّيّة، على شخصٍ ينهى النبيّ محمّدًا عن إقامة الصلاة21. أمّا تحاور النبيّ وأمّته مع اليهود والمسيحيّين فيمكن القول إنّه كان، في بداية الأمر، أشبه بحواراته مع المؤمنين وليس بنزاعاته مع المشركين والكافرين. لكنْ بدايةً من المرحلة المكّيّة المتأخّرة، إن لم يكنْ الوسطيّ، يمكننا أن نلاحظ عداءً متزايدًا بين أمّة القرآن واليهود والمسيحيّين. إذ راح خطاب القرآن يبرز قربهم من المشركين والكافرين. لكن حتّى في هذه الأثناء، استثنى القرآن قلّةً منهم وأثنى على قربهم من أمّة القرآن22.

14تركّز هذه الدراسة على حوار اليهود والمسيحيّين مع النبيّ بشخصه أو مع أمّته. لكن قبل الشروع في تحليلنا، يجدر بنا، على سبيل التمهيد، إلقاء نظرةٍ سريعة على حوار النبيّ مع أتباعه من المؤمنين وخصومه من المشركين والكافرين. لا يوضّح القرآن دائمًا فيما يعرضه من حواراتٍ للنبيّ مع مدعوّيه ما إذا كان محاوره مؤمنًا أم مكذّبًا بموضوع الحوار. على سبيل المثال، في القرآن المكّيّ، «سألتْ» الأمّة النبيّ ستّ مرّاتٍ عن مسائل أخرويّة وإلهيّة وقصصيّة. ولقد بدأ طرح هذه الأسئلة في المرحلة المكّيّة المبكّرة، كما في سورة النازعات 79:

(42) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
(43) ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾
(44) ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾
(45) ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾

15ليس من الواضح هنا ما إذا كان السائلون قد طرحوا هذا السؤال على النبيّ لأنّهم يشكّون في أنّ الساعة ستأتي – كما هو حال المشركين والكافرين – أم أنّهم يريدون أن يعلموا موعد قيام القيامة بالتحديد حتّى يتأهّبوا لها على أكمل وجه. على أيّة حالٍ، رفض الله الجواب على السؤال. فمهمّة النبيّ هي النذير بالساعة وليس الإخبار عن موعدها.

  • 23 عن المعاني النحويّة الممكنة لهذه العبارة في الآية 85 من سورة الإسراء 17، والمواضع المشابهة، انظرْ ت (...)

16هذا السؤال عن الساعة مكرّرٌ بالحرف وموسّع في الآية 187 من سورة الأعراف 7، وهي سورة مكّيّة متأخّرة. وكذلك نجد أسئلةً أخرى مطروحة على النبيّ محمّد في أربع سور من المرحلة المكّيّة الوسطى، تبدأ عادةً بعبارة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾23. وباستثناء الآية 42 من سورة النازعات 79، يُتبع السؤال بجوابٍ مختصر مسبوق بكلمة ﴿قُلْ﴾. تدور هذه الأسئلة عن طبيعة الروح القُدس (الإسراء 17: 85)؛ وعن قصّة ذي القرنين (الكهف 18: 83)؛ وعن القيامة، مرّةً أخرى، في موضعين. في الموضع الأول (طه 20: 105)، نجد سؤالًا عمّا سيحدث للجبال عند قيام الساعة؛ وفي الموضع الثاني (الذاريات 51: 12)، نجد سؤالًا عن موعد يوم الدين. لم تحدّد هذه الآية الأخيرة مَن الّذي طرح السؤال، إذ اكتفتْ بـ﴿يَسْأَلُونَ﴾، لكن يتضّح من سياق الآية (الذاريات 51: 8-14) أنّهم من الكافرين، إذ نجد لعنًا لهم وتنديدًا بغفلتهم ونصًّا على أنّ مصيرهم إلى النار. وبناءً عليه، لقد توجّه المؤمنون (على الأرجح) والكافرون (يقينًا) بالحديث إلى النبيّ الفينة بعد الأخرى.

  • 24 يبدو استهزاء السائل عن الساعة في الآيات 42-44 من سورة النازعات 79، والآية 187 من سورة الأعراف 7، وا (...)

17تعطينا هذه الأمثلة مجرّد لمحةٍ خاطفة وانتقائيّة على واقع المواجهات بين النبيّ ومدعوّيه المكّيّين. من المرجّح أن يكون الحوار المباشر، المرويّ في القرآن، قد وقع بالفعل. لكنّ هذه الأمثلة قد أضحتْ – خاصّةً في حالة الأسئلة والعبارات المتكرّرة – ذات صيغةٍ ثابتة ومكرّرة (formulaic)، وبذلك أضحتْ أدلةً غير صريحةٍ على وقوع هذه المواجهات. فلا بدّ من أنّ المدعوّين قد سألوا النبيّ عن موعد الساعة الّتي أنذرهم بها، سواءٌ على سبيل الخشية منها أو الاستهزاء بها أو كليهما ربّما. لكن من المستبعد أن يطرحوا عليه هذا السؤال مرارًا باستخدام نفس الكلمات في كلّ مرّةٍ – وإنّما يُعدّ التكرار الحرفيّ لبعض الأسئلة أحد أوجه أسلوب القرآن في تصوير دور النبيّ كنذيرٍ إلى أناس معرضين عنه ومعادين له. ومع ذلك، من المرجّح أنّ الأسئلة الأخرويّة (الساعة) قد طُرحتْ، ولو مرّةً على الأقلّ، من طرف الكافرين، بينما من المرجّح أنّ الأسئلة الأخرى عن التفاصيل الإلهيّة (روح القدس) والقصصيّة (ذو القرنين) قد طُرحتْ من طرف المؤمنين24. وإجمالًا، تثبت هذه المواضع أنّ القرآن كان محجمًا في الردّ على هذه الأسئلة، إذ إنّ أجوبته عليها مقتضبة دائمًا.

  • 25 انظرْ تعليقاتي على الآيات 1-19 من سورة الأنفال 8 في: Azaiez et al. The Qur’an seminar, pp. 130–132. (...)

18تُعدّ المواضع القرآنيّة الّتي تصوّر الحوارات العامّة بين النبيّ والمدعوّين حالاتٍ مرجعيّة من هذه الجهة: إلى أيّ مدى تُعدّ أدلّةً صريحة وإلى أيّ مدى تتّفق مع مواضيع الخطاب المستقرّة؟ وهذا هو السؤال الّذي سأهتدي به فيما تبقّى من هذه الدراسة. لقد حاججتُ في دراسةٍ سابقة عن أنّ صورة محمّد الذي يتلقّى الأسئلة من أمّته ويجيب عنها تستحضر صورة موسى الّذى يتلقّى أسئلة الإسرائيليّين، بل وتستحضر بدرجةٍ أكبر صورة عيسى الّذي يتلقّى الأسئلة من سادة (أئمة، أكابر) الجليل ويهودا. لو كانتْ هذه الأسئلة مجرّد صورة بلاغيّة (trope)، لجاز لنا أن نعدّ المواضع القرآنيّة السابق ذكرها مجرّد أدلّةٍ غير صريحة على وقوع التحاور بين القرآن واليهود والمسيحيّين، أو أن نعدّها محض اختلاق25. لكنّني أميل إلى القول بأنّ بعض هذه المواضع، على الأقلّ، تُعدّ أدلّةً صريحة على وقوع هذا التحاور، وذلك على خلفيّة تحفّظ أمّة النبي في توجيه الأسئلة إليه (أو تحفّظ القرآن في الإخبار عن وقوع ذلك). ويتجلّى هذا التحفّظ في اقتضاب ردود القرآن على هذه الأسئلة خلال الفترة المكّيّة. ومِن الأدلّة الممكنة على وقوع هذه الحوارات تاريخيًّا، تعارض طرح الأسئلة مع تفضيل القرآن للخطاب الإلهيّ غير المنقطع، كما نجد في سورة المائدة 5 (وهي مدنيّة)، الّتي تحذّر المؤمنين من طرح الأسئلة في أثناء نزول الوحي:

(101) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
(102) ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾

  • 26 أحد الأمثلة على إفراط الإسرائيليّين في سؤال موسى عن مسألةٍ تشريعيّة، هو قصّة البقرة المرويّة في الآ (...)

19ينهي القرآن هنا الأمّة عن طرح الأسئلة على نبيّهم في أثناء نزول الوحي، لأنّ بعض المؤمنين قد طرحوا أسئلةً على النبيّ فيما سلف لكنّهم شكّوا في ردود النبيّ عليها وكرهوها على ما يظهر. نستفيد هنا أمرين. أوّلًا: يعبّر هذا الموضع المدنيّ عن تحفّظ القرآن حيال طرح الأسئلة على النبيّ مباشرةً، كما هو حال المواضع المكّيّة المذكورة أعلاه. ثانيًا: لقد تغيّر مضمون الأسئلة في المدينة. لا يفصّل هذا الموضع من سورة المائدة 5 طبيعة الأحكام الّتي كرهها السائلون (مذكورةً بإيجازٍ في الآية 103)، لكنّ معظم الاسئلة المطروحة في المدينة ذات طابع تشريعيّ – باستثناء سؤالين بارزين، أحدهما متعلّق باليهود والمسيحيّين26. إذ يبلغ عدد هذه الأسئلة أحد عشر سؤالًا من أصل ثلاثة عشر سؤالًا. وتبدأ تسعةٌ منها بعبارة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، كما في الأسئلة المكّيّة. تدور هذه الأسئلة على: الأهلّة (البقرة 2: 189)؛ والصدقة (البقرة 2: 215، 219)؛ والقتال في الشهر الحرام (البقرة 2: 2017)؛ والخمر والميسر (البقرة 2: 2019)؛ واليتامى (البقرة 2: 220)؛ وجماع المرأة في المحيض (البقرة 2: 222)؛ والطعام (المائدة 5: 4)؛ ومغانم الحرب (الأنفال 8: 1). ويبدأ سؤالان، عن اليتامى (النساء 4: 127) والمواريث (النساء 4: 176)، بعبارة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾. أمّا السؤلان غير التشريعيّين فهما، أوّلًا: سؤالٌ عن الساعة (الأحزاب 33: 63)، كالّذي نجده في مواضع مكّيّة (النازعات 79: 42، والأعراف 7: 187)، ويبدأ بصيغة الفعل المضارع ﴿يَسْأَلُكَ﴾. وثانيًا: سؤالٌ من طرف اليهود والمسيحيّين (النساء 3: 153)، يبدأ أيضا بنفس العبارة:

(153) ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾

20يذكّرنا هذا الموضع بالمواضع الّتي تبدأ بعبارة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ كالآية 63 من سورة الأحزاب 33. لكن عوّض السؤال عن مسألةٍ أخرويّة أو تشريعيّة، يسأل (يطلب) «أهل الكتاب» هنا معجزةً من النبيّ: كتابًا من السماء. ويربط هذا الطلب (كتاب) اليهود والمسيحيّين باسمهم القرآنيّ (أهل الكتاب): إنّ «أهل الكتاب» يطلبون كتابًا. وهكذا، يبدو سؤال الإسرائيليّين هذا أقرب إلى سؤال المستهزئين عن الساعة (النازعات: 42-45)، أو طلب المكّيّين من محمّد أن يأتيهم بآيةٍ تشهد على صحّة رسالته (انظرْ، على سبيل المثال: الأنعام 6: 8-9، 50، 158؛ وهود 11: 12؛ والحِجر 15: 7؛ والفرقان 25: 7، 21)، وليس إلى أسئلة المؤمنين الصادقة في العموم.

  • 27 ورد ذِكر الألواح السماويّة في: الأعراف 7: 145، 150، 154. وتنفي الآية 48 من سورة العنكبوت 29 خطّ محم (...)

21هذه الآية مثالٌ واضح على صعوبة تحديد ما إذا كان السؤال يُعدّ دليلًا صريحًا أم غير صريح على وقوع مواجهةٍ فعليّة بين النبيّ واليهود والمسيحيّين. لكنّها متّفقةٌ، بوضوحٍ، مع الخطاب المستقرّ. إذ تشبّه سؤالهما للنبيّ، صراحةً، بسؤال الإسرائيليّين لموسى. وكذلك، تستحضر تلقّي موسى للألواح من ربّه، وغير ذلك من المواضيع الخطابيّة الموجودة في التراث الكتابيّ في العصر القديم المتأخّر، على سبيل المثال: قدرة اليهود المزعومة على رؤية الله بوضوحٍ، وعبادة العجل، موضوعان متواتران في التراث الرِبّيّ والمسيحيّ خاصّةً27. وأيضًا، تشبه هذه الآية المواضع المكّيّة الّتي تخبر عن طلب أقوام الرسل الآخرين من رسلهم أن يأتوهم بمعجزات (على سبيل المثال: الأنعام 6: 35؛ والأعراف 7: 106؛ وطه 20: 133؛ والأنبياء 21: 5؛ والشعراء 26: 154؛ وانظرْ أيضًا: الأعراف 7: 203؛ والرعد 13: 38؛ وغافر 40: 78). وفي ضوء ذلك، يجوز لنا أن نتّخذ من الآية 153 من سورة النساء 4 دليلًا غير صريح، على أقلّ تقديرٍ، على تحاور النبيّ مع أهل الكتاب. لكن في الوقت عينه يمكننا أن نلحظ اتّفاق هذه المواضع مع السمات الأسلوبيّة والعقَديّة القرآنية، ممّا يبعدها بقدرٍ ما عن الأحداث التاريخيّة الّتي تصوّرها. وبسبب هذا التوتّر القائم بين الدقّة التاريخيّة والتصوير الأسلوبيّ، لا يمكننا أن نثبت وقوع الحوار المباشر إلّا بتوسيع منظورنا.

22سنتّخذ من آيات الأسئلة هذه مرجعًا لتقييم الصحّة التاريخيّة للأخبار التالية عن المواجهات بين النبيّ وأمّته من جهةٍ واليهود والمسيحيّين وسادتهم من جهةٍ أخرى. ثمّة ستّة مواضع مكّيّة واثنا عشر موضعًا مدنيًّا يطرح فيها غير الإسرائيليّين أسئلةً على النبيّ، في مقابل آيةٍ مدنيّة واحدة (النساء 4: 153) تخبر عن سؤال «أهل الكتاب» للنبيّ. ولا يمكننا تبيّن معنى هذا العدد النسبيّ إلّا في ضوء مزايا القرآن الخطابيّة. إذ إنّ المواضع القرآنيّة الّتي تتمحور على أسئلة السائلين لا تتضمّن إلّا قلّةً من أسئلة المؤمنين وسؤالًا واحدًا من أهل الكتاب. وفي مقابل هذا الموضع الوحيد الّذي يطرح فيه «أهل الكتاب» سؤالًا على النبيّ، يصوّر القرآن في مواضع كثيرة وقوع مواجهات بين أمّته – ومنها النبيّ نفسه – و«أهل الكتاب» وسادتهم. ويمكننا أن نتّخذ من طبيعة هذه المواجهات وتطوّرها أساسًا لترجيح صحّتها التاريخيّة. لكن نظرًا إلى مركزيّة اليهود والمسيحيّين وأخبارهم في القرآن، يمكننا، في الوقت نفسه، أن نقول إنّ القرآن انتقائيٌّ جدًّا، على الأرجح، في عدد ونوع المواجهات الّتي يخبر عنها.

حديث السور المكّيّة عن التحاور مع اليهود والمسيحيّين

  • 28 لم أدرج الآية 58 من سورة مريم 19 الّتي تشير إلى ﴿ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾، على الرغم (...)
  • 29 ربط القرآن على نحوٍ وثيق بين الماضي والحاضر متّفق مع الآراء المتواترة في العصر القديم المتأخّر في ا (...)

23تستخدم السور المكّيّة، في أغلب الأحيان، لقب «بني إسرائيل» للإشارة إلى اليهود والمسيحيّين المعاصرين أو أسلافهم. إذ ورد ذكره في 22 موضعًا، وهي: الأعراف 7: 105، 134، 137، 138؛ ويونس 10: 90 (مرتان)، 93؛ والإسراء 17: 2، 4، 101، 104؛ والشعراء 26: 17، 22، 59، 197؛ والنمل 27: 76؛ والسجدة 32: 23-24؛ وغافر 40: 53؛ والزخرف 43: 59؛ والدخان 44: 30؛ والجاثية 45: 16؛ والأحقاف 46: 10 28. لن أدرس 18 موضعًا من هذه المواضع لتعلّقها بالماضي الكتابيّ أو المستقبل الأخرويّ. رأي القرآن في الإسرائيليّين الكتابيّين – من آل إبراهيم – لا يقلّ انتقادًا عن رأي الكتاب المقدّس العبرانيّ لهم – من آل يعقوب – ويتّهمهم مثله بنفس الاعتداءات الدينيّة والاجتماعيّة. أحد المواضع المكّيّة المتأخّرة الّتي تصف الماضي الكتابيّ هو سورة السجدة 32: 23-24، ونقرأ فيه أنّ الله قد جعل من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (انظر أيضًا: الآية 159 من سورة الأعراف 7، والآية الخامسة من سورة القصص 28). لقد أرسى القرآن نموذجًا للإمامة في الماضي الكتابيّ صالحًا أيضا لحاضره، كما يتبيّن من المواضع المكّيّة والمدنيّة الأخرى. ففي هذا الموضع، يعبّر القرآن عن موقف سادة (أئمة، أكابر) بني اسرائيل الملتبس من آيات الله والّذي يشبه موقفهم المعاصر: يلمّح القرآن هنا إلى أنّ الإسرائيليّين القدماء كانوا عنيدين، إذ احتاج سادتهم إلى الصبر على دعوتهم، ولذلك لا عجب في أن يكون اليهود والمسيحيّين المعاصرين عنيدين أيضًا. توضّح هذه الأمثلة أنّ تصوير القرآن لماضي الإسرائيليّين مميّز – لكنّه غير منفصل بالكامل – عن تصويره لحاضرهم29.

24تتناول المواضع المكّيّة الثلاثة المتبقّية حاضر القرآن: آيتان من المرحلة المكّيّة الوسطى، وهما: الآية 197 من سورة الشعراء 26 والآية 76 من سورة النمل 27. وآيةٌ من المرحلة المكّيّة المتأخّرة، وهي: الآية العاشرة من سورة الأحقاف 46. سأدرس هذه الآيات بالتفصيل فيما يلي. أرى أنّ هذه المواضع تُعدّ دليلًا أشدّ صراحةً على المواجهات بين النبيّ واليهود والمسيحيّين، لكن بدرجاتٍ متفاوتة من الوضوح. فمع الآيات 101-105 من سورة النحل 16 (مكّيّة متأخّرة)، يبدو أنّ هذه المواضع تعبّر عن مواجهاتٍ تاريخيّة بين النبيّ وأمّته من جهةٍ واليهود والمسيحيّين من جهة أخرى وقعتْ في الفترة المكّيّة – لكنّ النصّ لا يخبرنا بالكثير عن المكان الّذي وقعتْ فيه.

25في سياق الحديث عن البعث، تنصّ سورة النمل 27 على أنّ القرآن يخاطب بني إسرائيل، وبذلك تخالف نموذج النبوّة الّذي يقتضي إرسال الرسل إلى أقوامهم فحسب:

(76) ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
(77) ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾
(78) ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾

  • 30 لم يشدّد القرآن على أنّ عيسى مُرسل إلى أيّ أحدٍ سوى بني إسرائيل، لكنّه قد ألمح إلى عموميّة رسالته ب (...)
  • 31 تنصّ الآية 93 من سورة يونس 10 على أنّ بني إسرائيل ﴿مَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنّ (...)
  • 32 موضوع الوحدة الأوّليّة الّتي يعقبها التفرّق شائعٌ في الخطاب اليهوديّ والمسيحيّ، على سبيل المثال:

26تنصّ هذه الآيات على أنّ القرآن يخاطب بني إسرائيل وعلى أنّ الله سيفصّل فيما بينهم من نزاعاتٍ. وبذلك تجعل محمّدًا صورةً معكوسة من عيسى: خاطب عيسى بني إسرائيل أوّلًا ثمّ الناس كافّة، بينما محمّد نبيّ غير إسرائيليّ لكنّه يخاطب بني إسرائيل كغيرهم30. يكرّر القرآن ذكر الخلاف بين اليهود والمسيحيّين وقضاء الله فيه بوساطة الوحي القرآنيّ أو في اليوم الآخر31. والحال أنّ اتّهام طائفةٍ من المعارضين بالتفرّق والاختلاف، أمرٌ شائع في خطاب التبديع اليهوديّ والمسيحيّ في العصر القديم المتأخّر32.

27وعليه، نجد أوّل ظهور لبني إسرائيل في خطاب النبيّ عن الحاضر متضمّنًا لعلاقتين مثلّثتين متشابكتين متغلغلتين في القرآن كلّه: أوّلًا: العلاقة المثلّثة بين (1) الأمّة القرآنيّة، و(2) المشركين والكافرين، و(3) اليهود والمسيحيّين. يشكّل هذا المثلّث الأوّل بنية الخطاب القرآنيّ، مع قدر من السيولة بين أضلاعه الثلاثة. لكنّه يفسح المجال، مرارًا وتكرارًا، للمثلّث الثاني الّذي يتألّف من: (1) النبيّ أو المؤمنين، و(2) اليهود، و(3) المسيحيّين. المثلّث الأوّل أبرز من الثاني، وهو ما يفسّر، جزئيًّا، جمع القرآن لليهود والمسيحيّين معا، كإسرائيليّين، على الدوام تقريبًا – حتّى لو كان يميّز بين المؤمنين والكافرين من بينهم، الّذين سيقضي الله فيهم بحكمه. ويمهّد الاختلاف المذكور في الآيات 76-78 من سورة النمل 27 بين الإسرائيليّين «المؤمنين» والإسرائيليّين «الضالّين»، للتمييز بين المسيحيّين «المؤمنين» واليهود «الضالّين» الموجود في بعض السور المدنيّة.

  • 33 لتلخيص الاتّهامات القرآنيّة والمسيحيّة بتحريف الكتاب، انظرْ:

28في هذا الموضع من سورة النمل 27 (76-78) يضع القرآن نفسه في مواجهة اليهود والمسيحيّين؛ إذ يرى نفسه كتابًا عربيًّا ويشير إلى الكثير من الخصائص الثقافيّة والقوميّة لسياقه. يقدّم القرآن نفسه كنسخةٍ من أمّ الكتاب تصحّح الأخطاء الناجمة، جزئيًّا، عن الخلافات بين اليهود والمسيحيّين، وبذلك يجعل هذه الخلافات ذات طابع طائفيّ33. يتقبّل القرآن هنا بعضًا من بني إسرائيل في أمّته، بينما يرفض بصرامة قبول الكافرين منهم. ويبدو أنّ لفظ «المؤمنين» في الآية 77 يحيل، في المقام الأوّل، على المؤمنين من اليهود والمسيحيّين، لأنّهما مذكوران في الآية السابقة واللاحقة. ولهؤلاء المؤمنين (الوارد ذكرهم أيضًا في الآية العاشرة من سورة الأحقاف 46، وفي الآية 199 من سورة الشعراء 26، أغلب الظنّ)، يقدّم القرآن نفسه كـ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، إذ ما استهدوا به فيما يخصّ الخلاف فيما بينهم.

29لكنّ هذا الوعد بالهدى والرحمة مشفوعٌ بوعيد مبطّن: لو استمرتْ الخلافات بين اليهود والمسيحيّين – ورفضوا ما يخبر عنه القرآن – فسيقضي الله بينهم. لم ينصّ القرآن صراحةً هنا على كفرهم بالقرآن، لكنّه واضحٌ على الرغم من ذلك. هذه الشهادة غير الصريحة على كفر اليهود والمسيحيّين، موجودةٌ على هامش الخطاب، ممّا يرجّح أنّ هذا الموضع لا يستعمل بني إسرائيل كمجرّد أداة سِجاليّة. يلمّح النصّ إلى أنّ أيًّا من اليهود والمسيحيّين قد يكفر بالقرآن من دون أن يصرّح بالمزيد، ممّا يرجّح أنّه قد وقع تحاور بين النبيّ وبعض بني إسرائيل في وقتٍ سابق على تلاوته لهذه الآية. هذا الاستنتاج المبنيّ على قراءة متأنّية للآيات لا يتمتّع إلّا بثقلٍ تاريخيّ قليل، فبحدّ ذاته لا يشهد هذا الموضع من سورة النمل 27 إلّا على عزم النبيّ على دعوة بني إسرائيل. لكن بقراءته في سياق المواضع المكّيّة الأخرى، يتبيّن لنا أنّه قد أنجز ما عزم عليه ولو حتّى جزئيًّا.

30تتوسّل سورة الشعراء 26 – الّتي تسبق سورة النمل 27 وفق تحقيب نولدكه – بشهادة علماء بني إسرائيل الّذين سمعوا القرآن وعلموا صحّته. وبذلك تميّز بين عوامّ اليهود والمسيحيّين وخاصّتهم، وهو تمييزٌ نجده في مواضع أخرى:

(192) ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
(193) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾
(194) ﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾
(195) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾
(196) ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾
(197) ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
(198) ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾
(199) ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

  • 34 عن سورة الشعراء 26، انظرْ: Griffith, The Bible in Arabic, pp. 64–71. ولدور محمّد كنذير انظرْ: “Sale (...)
  • 35 عن فكرة نزول القرآن بلسان عربيّ مبين، انظرْ أيضًا: الآية 105 من سورة النحل 16، والحاشية رقم 42 أدنا (...)
  • 36 عن لفظ علم انظرْ: Ambros, A Concise Dictionary of Koranic Arabic, pp. 193–194. نجد الجذر ع-ل-م مستع (...)
  • 37 انظرْ أيضًا: Hoyland, “ʿArabi and Aʿjami”, pp. 111–112. تستلزم الجملة الشرطيّة في الآية 199: ﴿فَقَر (...)

31يمهّد هذا المقطع لخاتمة السورة الّتي تفصّل القول في مفهوم النبوّة القرآنيّ؛ حيث تشدّد على دور النبيّ محمّد كنذيرٍ بالعذاب الّذي يوشك أن ينزل على المكّيّين34. ويبيّن قرب لغة القرآن من المكّيّين في مقابل بُعده عن لغة تراث بني إسرائيل. فالقرآن ﴿عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ يقدر المكّيّون على فهمه، بينما كان الوحي السابق المنزّل على بني إسرائيل بلسانٍ أعجميّ (غير عربيّ)، عِبرانيّ أو آراميّ، على الأرجح – وهذه مسألة مهمّة سنجدها في المواضع اللاحقة عن اليهود والمسيحيّين35. ومع ذلك كفر بعض المكّيّين بالقرآن، كما يتبيّن من تعجّب القرآن من أنّهم لم يعتبروا بعلماء بني إسرائيل الّذين يعلمون صحّته36. استعمال الآية لنفس الجذر (ع-ل-م) للإشارة إلى سادة بني إسرائيل (علماء) وإلى معرفتهم أنّ القرآن من عند الله (يعلمه)، يربط مقامهم في قومهم بقيمة شهادتهم. لا يوجد سببٌ وجيه يدعونا إلى افتراض أنّ هؤلاء العلماء لم يكونوا يتكلّمون العربيّة أو يفهمونها، أو أنّهم لم يكونوا مقيمين في جزيرة العرب، حتّى لو أنّ القرآن يربطهم بالتراث الكتابيّ العبرانيّ أو الآراميّ، وهما لغتان غالبًا ما خُلط بينهما في العصر القديم المتأخّر. وفي الآية التالية، يقول الله إنّهم – أي علماء بني إسرائيل – لم يكونوا ليؤمنوا بقرآن عربيّ نزل على أعجميّ، أي على شخصٍ لا يتكلّم العربيّة أو بالأحرى، على شخصٍ ينتمي إلى التراث الكتابيّ العبرانيّ أو الآراميّ. ويدعم ذلك أحد مبادئ النبوّة المركزيّة في القرآن، الّتي يرتضيها المكّيّون فيما يبدو، وهو أنّ كلّ نبيّ يُرسل إلى قومه وبلسانهم، ولذلك من غير المتصوّر أن يُنزّل وحيٌ عربي على نبيّ أعجميّ (انظرْ أيضًا: الآية 44 من سورة فصّلت 41) – حتّى إذا تضمّن المخاطَبون به إسرائيليّين إلى جانب العرب. سأبيّن أدناه أنّ أبرز «غير العرب» في القرآن المكي هم الإسرائيليّون؛ ولذلك قد تفيد هذه الآية أيضًا أنّ علماء بني إسرائيل ما كانوا ليؤمنوا بوحيٍ عبرانيّ أو آراميّ ينزل على نبيّ عربيّ، بما يتّفق مع مفهومي النبوّة اليهوديّ والمسيحيّ37.

32وهكذا يُرسي القرآن هويّةً لسانيّة محدّدة بإحالته على علماء بني إسرائيل بصفتهم منتمين وغير منتمين لأمّته: منتمين، لأنهم مخاطَبون بالوحي القرآنيّ، وغير منتمين، لأنّهم يتكلّمون بلسانٍ أعجميّ، عبرانيّ أو آراميّ. لقد نزل القرآن بلسانٍ عربيّ بما يتّفق مع مبدأ النبوّة العامّ: يرسل الله الرسل إلى أقوامهم على الدوام تقريبًا. لكن مع موسى وخاصّةً مع عيسى تفكّكتْ قسمة إسرائيليّ/أمّيّ (gentile)، التي سيقوّضها محمّد بالكامل بالرجوع إلى نموذج إبراهيميّ، كما سأبيّن أدناه. وعليه، يقول القرآن إنّه على مقربة من التراث الإسرائيليّ بحيث يمكن لعلماء بني إسرائيل أن يتبيّنوا صحّته كوحيٍ منزّل متّفق مع كتابهم. وهنا يجب علينا أن نفترض أنّ علماء بني إسرائيل، على الأقلّ، قد فهموا هذا القرآن الـ﴿عَرَبِيّ﴾ الـ﴿مُّبِين﴾. وبصرف النظر عن ذلك، استحضار القرآن في هذا الموضع من سورة الشعراء 26، على نحوٍ غير مباشر، لكفر المكّيّين أو الإسرائيليّين به، يدعم ثقله كدليلٍ تاريخيّ. لأنّه لكي تكون الحجّة الّتي يقيمها القرآن هنا على المكّيّين مقبولةً، لا بدّ من أن يكونوا على دراية بوجود هؤلاء العلماء من بني إسرائيل، إن لم يكن بتواصل النبيّ معهم وجهًا لوجهٍ. والاحتمال الثاني هو الراجح، لأنّ المكّيّين سيقلبون، عاجلًا، درايتهم بهذا التواصل إلى حجج ضدّ النبيّ والقرآن، كما سنرى.

  • 38 عن يوسف الطبريّ، انظرْ: Epiphanius, Panarion 30، وتحليلات كلٍّ من:

33تُعدّ الإحالة على علماء بني إسرائيل هنا مواصلة لحديث القرآن عن سادة بني إسرائيل القدماء، المذكور أعلاه (والذي سيزداد وضوحًا في القرآن المدنيّ). يستعمل القرآن في محاججة الكافرين هنا «شهادة الخبراء» (أهل العلم) وهو أمر شائع في خطاب التبديع في العصر القديم المتأخّر. ولعلّ أشهر مثال على ذلك، هو يوسف الطبريّ (Joseph of Tiberias)، الّذي استعمل في رحلته من اليهوديّة إلى المسيحيّة، ومن فرقةٍ مسيحيّة إلى أخرى، شهادة عالم يهوديّ تبيّن الحقيقة المسيحيّة الإلهيّة في تراثه اليهوديّ38.

34سيتوسّل القرآن بشهادة بني إسرائيل مرّةً أخرى في موضعين من المرحلة المكّيّة المتأخّرة، الأوّل في سورة يونس 10:

(94) ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾

35تتناقض هذه الآية مع طبيعة المواجهات بين النبيّ و«أهل الكتاب» في المدينة. وعوضًا عن مصطلح «أهل الكتاب» يستعمل القرآن هنا هذه العبارة المطنبة: ﴿الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾. يطلب القرآن من محمّد أن يسأل الّذين يقرؤون الكتاب من قبله إذا ساوره الشكّ، ومن الواضح أنّ بني إسرائيل هم المقصودون هنا، بما أنّهم مذكورون في الآية السابقة مباشرةً. وإذا كان القرآن يطلب من النبيّ أن يسأل أهل الكتب عند الشكّ، فمن المرجّح أنّه كان قادرًا على التواصل الفعليّ مع اليهود و/أو المسيحيّين.

36أمّا الموضع الثاني ففي سورة الأحقاف 46، الّتي نزلتْ بعد سورة يونس 10 على الأغلب. بعدما زعم الكافرون (المكّيّون على الأرجح) أنّ محمّدًا قد اختلق القرآن، ﴿افْتَرَاهُ﴾، أمره القرآن بأن يردّ عليهم قائلًا:

(10) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

  • 39 انظرْ الحاشية رقم 32 أعلاه.

37يتّهم المكّيّون محمّدًا هنا بأنّه قد اختلق الوحي، وهي تهمة شائعة أيضًا في خطاب العصر القديم المتأخّر39. ومرّةً أخرى، يتوسّل القرآن بشهادة بني إسرائيل لكي يؤكّد للمكّيّين أنّه وحي من عند الله. هذا الشاهد الإسرائيليّ ضمن أمّة القرآن، لكنّه على هامشها، لأنّه مؤمنٌ على عكس المكّيّين. لكن يبدو أنّ دائرة الشهود قد ضاقتْ؛ فعوضًا عن شهادة ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الّذين يعلمون القرآن (كما في الآية 197 من سورة الشعراء 26)، نجد هنا شهادة فردٍ مؤمن واحد، لم يُسمّ مقامه (من أهل العلم أم من غيرهم). لقد اكتفى القرآن هنا بتوضيح رسالته كما فعل فيما سبق. إذ لم يغطّ على فشل النبيّ في إقناع معظم المدعوّيين المكّيّين، ولا على كفر معظم الإسرائيليّين بالقرآن، ولذلك قلّل عدد الشهود، كما هو واقع الحال.

  • 40 تُعدّ قصة شفاء المسيح لابن الجنديّ الرومي في إنجيل متّى 8: 5-13 وإنجيل لوقا 7: 1-10، التي تُختتم بق (...)

38هل يُعدّ هذا الموضع دليلًا على وقوع تواصلٍ بين النبيّ وأفرادٍ يهود أو مسيحيّين؟ يمكن للمرء أن يحمل توسّل القرآن المتكرّر بشهادة بني إسرائيل على أنّه مجرّد أداة سجاليّة، لا تختلف كثيرًا عن توظيف الأمّيّين في إنجيل متّى، أو عن الميل إلى «التفكير مع اليهود» الّذي نجده عند چُستين أو أغسطين، على سبيل المثال40. لكن ينبغي للقراءة المحايدة أن تأخذ في حسبانها أنّ النبيّ محمّدًا لم يكن له أن يتوسّل مرارًا بشهادة المسيحيّين واليهود لو كان بمقدور المكّيّين دحْض هذا الزعم بسهولة. إنّ أثر هذه المواضع الثلاثة وإحالتها الصريحة على موقف اليهود والمسيحيّين من النبيّ ليضعف احتماليّة كونها مجرّد أداةٍ سجاليّة. ويدعم ذلك أمران: أوّلًا: لو أنّ «أهل الكتاب» غير موجودين، يمكن للمكّيّين تفنيد استشهاد النبيّ بهم، وثانيًا: كيف يمكن لهذه المواضع أن تكون أدواتٍ سجاليّة وهي متواضعة جدًّا، بل وتزداد ضعفًا مع الزمن، لو صحّ هذا الترتيب للسور (الانتقال من شهادة علماء بني إسرائيل إلى شهادة رجلٍ واحد). وعليه، يؤيد مبدأ مقصّ أوكام صحّة هذه المواضع التاريخيّة.

39ومن المواضع الجديرة بالملاحظة، هذا الموضع من سورة النحل 16 الّذي يلمّح إلى وقوع تواصلٍ بين النبيّ وشخصٍ أعجميّ:

(101) ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(102) ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
(103) ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾
(104) ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
(105) ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ َأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾

  • 41 تنطوي عبارة ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ في الآية 103 على دلالة قدحيّة. ففعل لَحَدَ مستعمل بمعنى (...)
  • 42 عن لفظ افتراه، انظر: Ambros, A Concise Dictionary, p. 212؛ محمّد متّهم باختلاق القرآن باستمرار، انظ (...)

40لم يحدّد هذا الموضع ما إذا كان المعلّم المزعوم من «أهل الكتاب» أم لا41. لكن في ضوء المواضع السابقة، والمواضع المدنيّة اللاحقة الّتي يتكرّر فيها هذا الزعم، يترجّح أنّه كذلك حقًّا. محمّد في موضع المدافع عن نفسه هنا أيضًا فهو متّهم بتبديل الوحي. مثلما تخبر الآية الثامنة من سورة الأحقاف 46 عن اتّهامه باختلاقه (الجذر ف-ر-ي مستعمل في الموضعين: مفتَر، افتراه)42. إنّ خصومه يزعمون أنّ بشرًا (غير مسمّى) هو الذي ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ القرآن، وهو ما يستدعي مرّة أخرى علماء بني إسرائيل الّذين يعلمون أنّ القرآن وحيٌ من عند الله (الآية 197 من سورة الشعراء 26).

41يبدو إذًا أنّ استناد القرآن على شهادة بني إسرائيل قد ارتدّ عليه. ففي الآية الخامسة من سورة الفرقان 25 النبيّ متّهم بأنّه يكتتب ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي قصص أهل الكتاب، الّتي ﴿تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وتشير هذه الآية – مع الآية 103 من سورة النحل 16 – إلى أنّ خصوم محمّدٍ كانوا يعتقدون أنّه على اتّصال بمعلّمين كتابيّين، وهاهم يتّخذون من قبول هؤلاء المعلّمين للقرآن حجّةً ضدّه. لقد قالوا له التالي: لا عجب أن يؤمن علماء بني إسرائيل بالقرآن فهم الذين علّموك إيّاه في المقام الأوّل. إنّ إخبار القرآن عن اتّهامات المكّيّين هذه، بالرغم من مخالفتها لغاياته، ليشهد على صحّتها التاريخيّة، كما يشهد على الصحّة التاريخيّة لمواجهات محمّد مع بني إسرائيل الّتي ناقشناها أعلاه.

  • 43 أرى أنّ نصّ القرآن على أنّ اليهود والمسيحيّين يتكلّمون بلسانٍ غير عربيّ يشير إلى أنّ لغتهم الدينيّة (...)
  • 44 يختلف تأويلي للآية 103 من سورة النحل 16 عن تأويل كلود جيليو الّذي يستشهد بها لدعم قوله بأنّ القرآن (...)
  • 45 من الأمثلة المشابهة الّتي لم أتناولها لضيق المقام الآية 22 من سورة الكهف 18؛ والآية 91 من سورة الأن (...)

42تردّ سورة النحل 16 على هذه الهجمة بتعديل الحجّة المطروحة في الآيات 192-199 من سورة الشعراء 26. إذ تحاجج بأنّ القرآن لا يمكن أن يكون من عند هذا المعلّم المزعوم، لأنّ لسان القرآن ﴿عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ في حين أنّ لسان هذا المعلّم ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾، أي أنّه ينتمي إلى التراث الكتابيّ العبرانيّ أو الآراميّ. إنّ هذا المعلّم اليهوديّ أو المسيحيّ لا يمكنه أن يأتي بكتابٍ عربيّ مبين في عربيّته. ولذلك ينبغي على المكّيّين أن يؤمنوا بأنّ القرآن كتاب أنزله الله على نبيٍّ منهم ويتكلّم بلسانهم43. لو نظرنا في المواضع المكّيّة الّتي تخبر عن التلاقي مع اليهود والمسيحيّين كلٌّ على حدةٍ فلن نجدها متمتّعةً بثقلٍ تاريخيّ كبير. لكن لو نظرنا فيها جماعةً فسنجدها تلمّح إلى أنّ النبيّ قد التقى بعالم يهوديّ أو مسيحيّ. إنّ الآيات 101-105 من سورة النحل 16 تشير إلى واقعةٍ تاريخيّة على الأرجح، لأنّ القرآن لن يستفيد أيّ شيءٍ من اختلاق هذه التهمة. يمكن بسهولة حمل الآيات 192-199 من سورة الشعراء 26 والآيات 8-10 من سورة الأحقاف 49 على أنّها مجرّد اختلاقٍ سجاليّ (على الرغم من حجاجي ضدّ ذلك)، لكنّ تشابه الألفاظ والحجّة المستعملة في الموضعين، يشير إلى أنّ المعلّم البشريّ المذكور في الآية 103 من سورة النحل 16 يهوديّ أو مسيحيّ على الأرجح44. وأخيرًا، تشير جبهة الهجوم الّتي فُتحتْ لخصوم النبيّ إلى أنّ القرآن يخبر هنا عن وقائع تاريخيّة على الأرجح45.

  • 46 نجد تتميماتٍ واضحة للكتب السابقة في المواضع الّتي تتحدّث عن الغيب، على سبيل المثال: الآية 49 من سور (...)

43وعليه، أرى أنّه ينبغي حمل هذه المواضع المكّيّة الخمسة – وفقًا لهذا الترتيب: الشعراء: 192-199، والنمل: 76-78، والنحل: 101-105، ويونس: 94، والأحقاف: 8-10 – على أنّها تخبر صراحةً عن وقائع تاريخيّة منظور إليها من خلال عدسة القرآن اللاهوتيّة. لقد خاطب النبيّ بالقرآن اليهود والمسيحيّين إلى جانب مدعوّيه الأساسيّين المكّيّين، ولقد آمن بعض هؤلاء اليهود والمسيحيّين أنّه وحيٌ من عند الله – أو على الأقلّ، تقبّلوا رسالته بما يكفي للاستشهاد بهم على صحّته. ولذلك ينبغي حمل المعلّم المذكور في الآيات 101-105 من سورة النحل 16 على أنّه من بني إسرائيل. إنّ محمّدًا لم ينكر اتّصاله بعالِمٍ أعجميّ، أي عالم يهوديّ أو مسيحيّ وفقًا لتأويلي. ومن الآسر للانتباه، أنّه لم ينكر أنّ هذا المعلّم قد علّمه بعضًا من علمه الأعجميّ – لكنّ ما تعلّمه منه، أيًّا كان، مغاير تمامًا للوحي نفسه (وهو معنى نجده في مواضع أخرى، كما في الآية 52 من سورة الشورى 42). إنّ ما ينكره محمّدٌ هو أن يكون القرآن نفسه من عند هذا المعلّم المزعوم، وأن يُختزل القرآن في تعاليمه الأعجميّة، أي العبرانيّة أو الآراميّة؛ وإنّما يتضمّن القرآن الوحي السابق عليه، ويصدّق على الأخبار اليهوديّة والمسيحيّة ويصوّبها ويتمّمها46.

  • 47 يمكن استنباط كون أهل الذِكر يهودًا أو مسيحيّين من استعمال القرآن لفظ ذِكر للإشارة إلى القصص الكتابي (...)

44وعليه، لقد تواصل محمّد مع اليهود والمسيحيين في أثناء الفترة المكّيّة، على الأرجح، ولا عجب في ذلك، نظرًا إلى وجود اليهود والمسيحيين المقطوع به حول جزيرة العرب. ويشهد القرآن المكّيّ الأوسط والمتأخّر بمضمونه – الّذي يعبّر غالبًا عن أخبارٍ يهوديّة ومسيحيّة معاصرة – ومنطوقه على وقوع هذا التواصل. على خلاف القرآن المدنيّ، لا تتحدّث السور المكّيّة عن تواصل عوامّ أمّة القرآن مع بني إسرائيل. لكنّ هذا التواصل كان يلوح في أفق مكّة. فالآية السابعة من سورة الأنبياء 21 تطلب من المدعوّين أن يسألوا ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ إن كانوا لا يعلمون أنّ الرسل السابقين كانوا بشرًا (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۖفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾). وهو طلبٌ مشابهه للّذي نجده في الآية 94 من سورة يونس 10، لكنّه موجّه إلى النبيّ وحده. وكذلك نجده مكرّرًا في الآية 43 من سورة النحل 16. إنّ القرآن يدعو مستمعيه هنا إلى التحدّث إلى اليهود والمسيحيّين، فاتحًا بذلك قناةً أخرى لنقل المعرفة الدينيّة إلى الأمّة القرآنيّة47.

45وبالمثل، ترشد سورة العنكبوت 29 (مكّيّةٌ متأخّرة) مستمعيها إلى الطريقة المُثلى لمجادلة اليهود والمسيحيّين. وهذا هو الموضع المكّيّ الوحيد الّذي ورد فيه مصطلح أهل الكتاب، الّذي يحيل على فئة من المؤمنين والمتشكّكين – تمامًا مثل مصطلح «بني إسرائيل»:

(46) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
(47) ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾
(48) ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾

  • 48 عن فعل جادَلَ، انظرْ: Ambros, A Concise Dictionary, p. 57؛ وانظرْ أيضًا التعليق المفيد لفالكينبرج ( (...)

46بعدما أمر القرآن المؤمنين بإقامة الصلاة في الآية السابقة على هذا الموضع، أمرهم بمجادلة اليهود والمسيحيّين بالحُسنى وبتجنّب الظالمين منهم. إنّ الآية 46 أظهر دليلٍ على أنّه حتّى أولئك اليهود والمسيحيّون المتقبّلون لفكرة إرسال نبيٍّ عربيّ قد انخرطوا في مناقشة المؤمنين حول القرآن وربّما حول التراث اليهوديّ والمسيحيّ أيضًا (وانظرْ الآية 125 من سورة النحل 16)48. وينبغي أن نلحظ هنا أنّ هذا الجدل بلسانٍ عربيّ. فمن المرجّح أنّ المحاورات السابقة مع اليهود والمسيحيّين قد استُعملتْ فيها العامّيّة العربيّة في مناقشة مسائل الكتاب المنزّل على بني إسرائيل أيًّا كانت لغته – عبرانيًّا أو آراميًّا أو سريانيًّا أو حبشيًّا أو يونانيًّا حتّى – وأيضًا في مناقشة مضمون الكتاب الجديد المنزّل على محمّد بلسانٍ عربيّ مبين.

47من اليسير إدراك السبب الّذي قد يدعو إلى اعتبار الآيات ٤٦–٤٨ من سورة العنكبوت، الّتي يرد فيها لأوّلِ مرّةٍ تعبير “أهل الكتاب”، إضافةً مدنيّة أُلحِقتْ بسورة مكّيّة متأخّرة. إنّها تشبه من بعض الوجوه المواضع المكّيّة الستّة الّتي يسأل فيها المدعوّون النبيّ، المدروسة أعلاه، لكنّها تختلف عنها من وجوهٍ أخرى: فالتحوّل من النبيّ إلى أمّته ومن مصطلح «بني إسرائيل» إلى مصطلح «أهل الكتاب»، يؤشّر على بداية مرحلةٍ جديدة من التواصل مع اليهود والمسيحيّين، اتّسمتْ بالقرب وباحتماليّة نشوب النزاع. فالآن ليس النبيّ وحده من يتواصل مع اليهود والمسيحيّين وإنّما أمّته أيضًا. وبصرف النظر عمّا إذا كان هذا الموضع مكّيًّا متأخّرًا أو إدراجًا مدنيًّا، فمن الواضح أنّ تغيّر السياق الاجتماعيّ للنبيّ وأمّته يصحبه تغيّرٌ في اصطلاح القرآن.

48ترسم هذه المواضع المكّيّة صورةً للتحاور بين النبيّ وأمّته من جهةٍ واليهود والمسيحيّين من جهةٍ أخرى. تدور أغلب هذه المواضع حول تواصل النبيّ مع اليهود والمسيحيّين كطائفةٍ مخاطَبة بالقرآن (الآيات 76-78 من سورة النمل 27)، أو مع علماء يهود أو مسيحيّين (الآيات 192-199 من سورة الشعراء 26)، أو مع فردين يهوديّين أو مسيحيّين (الآية العاشرة من سورة الأحقاف 46، والآيات 101-105 من سورة النحل 16؛ وإن كان من المحتمَل استحضار مواجهةٍ تاريخيّة واحدة أكثر من مرّة). والعنصر الأساسيّ في هذه المواجهات هو التالي: إلى أيّ مدى يمكن لليهود والمسيحيّين أن يخدموا دعوة محمّد للمكّيّين أو أن يمثّلا خطرًا عليها، حتّى إذا كان القرآن – أو تحديدًا لأنّ القرآن – يقول إنّه موجّهٌ إلى بني إسرائيل أيضًا (في الآيات 76-78 من سورة النمل 27). ويتفاوت إيمان اليهود والمسيحيّين بالنبيّ محمّد، ويميّز القرآن بينهما كتابيًّا ولغويًّا.

حديث السور المدنيّة عن تحاور النبيّ مع اليهود والمسيحيّين

49تواصل السور المدنيّة عرض مناحي من شتّى ضروب التواصل الّتي رأيناها في السور المكّيّة. نجد في السور المدنيّة تحوّلاتٍ شبيهة بتلك الّتي رأيناها في الآيات 46-48 من سورة العنكبوت 29، تشي بتغيّر شكل التواصل بين المؤمنين وبني إسرائيل. وكذلك نجد فيها تسميات لليهود والمسيحيّين وسادتهم أشدّ تنوعًا وتحديدًا من نظيراتها في السور المكّيّة. ويوازي هذا التحوّل ازدياد الافتراق بين اليهود والمسيحيّين كما تعبّر عنه السور المدنيّة. ممّا يفيد أنّ قنوات نقل المعرفة الدينيّة بين أمّة القرآن واليهود والمسيحيّين قد تكاثرتْ على ما يبدو. ومع ذلك، أضحتْ موضوعات خطاب التبديع السائدة في العصر القديم المتأخّر أقلّ حضورًا في السور المدنيّة، وحلّ في محلّها خطاب القرآن الخاصّ. ولذلك يمكن القول إنّ شهادة السور المدنيّة أقلّ صراحةً عن شهادة السور المكّيّة الّتي درسناها أعلاه، على الرغم من أنّها أشدّ استفاضةً. إنّ السور المدنيّة تعبّر عن خطابٍ أمميّ أكثر وثوقيّةً ووعيًا بذاته من خطاب السور المكّيّة، مع تصويرٍ أشدّ تفصيلًا وتنقيحًا لما يجري على أرض الواقع. ولدارس اليهوديّة الرِبّيّة، يضاهي هذا التحوّل على ما يبدو التحوّل من التصوير غير المنقّح لواقع الإمبراطوريّة الرومّية المتأخّرة الّذي نجده في التلمود الأورشليميّ (الفلسطينيّ) إلى التصوير الأشدّ تنقيحًا وأسلوبيّة الّذي نجده في التلمود البابليّ.

50ورد مصطلح «بنو إسرائيل» في عشرين موضعًا من السور المدنيّة. ثلاث عشرة سورةً منها متعلّقة بالماضي: البقرةلقب 2: 83، 246؛ وآل عمران 3: 49، 93 (مرّتين)؛ والمائدة 5: 12، 70، 72، 110؛ وطه 20: 47، 94؛ والصف 61: 6، 14. وهكذا نجد أنّ نسبة الآيات المتعلّقة بالماضي إلى الآيات المتعلّقة بالحاضر في السور المدنية هي 2 إلى 1 تقريبًا في حين كانت 6 إلى 1 في السور المكّيّة. على سبيل المثال، تحكم الآية 72 من سورة المائدة 5 على جميع بني إسرائيل الذين ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ بالكفر. وذلك بما أنّ المسيح قد قال لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. وينبغي حمل هذه الآية، مع الآية التالية عليها التي تنكر التثليث، على أنّها تخاطب الإسرائيليّين ماضيًا وحاضرًا.

51يمكن تقسيم المواضع المدنيّة السبعة الّتي تتعلّق بحاضر المؤمنين إلى ثلاثة أصنافٍ أساسيّة، تسهب في مرامي المواضع المكّيّة. أوّلًا: تحيل تلك الآيات المكّيّة على ماضي بني إسرائيل. فلقد رأينا القرآن يخاطبهم في الآيات 76-78 من سورة النمل 27؛ ويستشهد بهم في ثلاثة مواضع أخرى: الآيات 192-199 من سورة الشعراء 26؛ والآية 94 من سورة يونس 10؛ والآيات 8-10 من سورة الأحقاف 46. وبالمثل، تخاطب أربعة مواضع مدنيّة بني إسرائيل مباشرةً. إذ يأمرون في ثلاثة منها: الآيات 40، و47، و122 من سورة البقرة 2 بتذكّر نعم الله السابقة عليهم. وكذلك تذكّرهم الآية 80 من سورة طه 20 بتنجية الله لهم من مصر. ثانيًا: لقد رأينا إشاراتٍ في بعض المواضع المكّيّة على تواصل النبيّ مع بني إسرائيل. لا نجد مواضع شبيهة في السور المدنيّة، ومع ذلك تظلّ احتماليّة وقوع ذلك واردةً ولو خطابيًّا على الأقل: فالآية 211 من سورة البقرة 2 تأمر النبيّ بأن يسأل ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ في الماضي الكتابيّ. تتناقض هذه الآية مع نظيرتها المكّيّة: الآية 94 من سورة يونس 10. ففي حين تطلب الآية المكّيّة من النبيّ أن يسأل بني إسرائيل حتّى تسكن شكوكه، تطلب منه الآية المدنيّة أن يسألهم عن تبديلهم لآيات الله ونعمه. ويشهد هذا الاتّهام على تحوّلٍ آخر: في السور المكّيّة، محمّد نفسه هو المتّهم بتبديل الوحي وافترائه، لكن في السور المدنيّة، بني إسرائيل هم المتّهمون بذلك.

  • 49 لهذا الموضع، انظرْ:

52ثالثًا: في السور المكّيّة ظلّ كفر بني إسرائيل المعاصرين إمكانيّةً تلوح في الأفق، كما في الآيات 76-78 من سورة النمل 27؛ والآيات 192-199 من سورة الشعراء 26؛ والآيات 8-10 من سورة الأحقاف 46؛ والآيات 46-48 من سورة العنكبوت 29. ونجد توضيحًا لهذه الإمكانيّة في موضوعين مدنيّين يردّان على تدهور العلاقات بين المؤمنين وخصومهم الإسرائيليّين. الأوّل هو الآيات 78-80 من سورة المائدة 5، الّتي تخبر عن أنّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قد لُعنوا في الماضي، ثمّ تخبر النبيّ أنّه يرى ﴿كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا – وهي تهمة يمكن دحضها بسهولة، ولذلك تعدّ هذه الآية دليلًا موثوقًا على تواصل النبيّ مع بني إسرائيل. والثاني هو الآية 32 من سورة المائدة 5، الّتي تقلب أحد مناحي الخطاب التشريعيّ الرِبّيّ على رأسه، باستعمال منطق الأحبار الفقهيّ في اتّهام بني إسرائيل – اليهود والمسيحيّين – بالعنف السياسيّ، قبل أن تشرّع الآية التالية عليها حكمًا يذكّرنا بأحكامٍ كتابيّة وبيزنطيّة. ونظرًا لجسامة التهمة، وشبكة الإحالات المعقّدة على أحكامٍ يهوديّة ومسيحيّة، يترجّح وقوع تحاور مباشر بين النبيّ وبني إسرائيل49.

  • 50 من الخطأ أن نبالغ في تضخيم الفروق بين المصطلحات الثلاثة الّتي تستعملها السور المدنيّة للإشارة إلى ا (...)

53تستعمل السور المدنيّة مصطلح «بني إسرائيل» كما استعملتْه السور المكّيّة. نجد ميلًا في السورة المدنيّة إلى استعماله في سياق الحديث عن الحاضر القرآنيّ، لكنّها تظلّ، بالرغم من ذلك، تستعمله في سياق الحديث عن الماضي الكتابيّ. في الفترتين المكّيّة والمدنيّة، يُستعمل هذا المصطلح لوصفهم بأنّهم جزءٌ من مدعوّي النبيّ، ولوصف تواصل النبيّ معهم، متحوّلًا من الأدلّة الصريحة على هذا التواصل إلى الأدلّة غير الصريحة عليه. في السور المكّيّة، يلوح كُفر بني إسرائيل كمجرّد إمكانيّة، لكنّه تهمةٌ صريحة في السور المدنيّة (الآية 80 من سورة المائدة 5). ينطوي استعمال السور المدنيّة لمصطلح «بني إسرائيل» على إحالاتٍ على الماضي الكتابيّ حتّى عندما تتحدّث الآيات عن الحاضر القرآنيّ. وأخيرًا: كما في السور المكّيّة، لا تستعمل السور المدنيّة مصطلح «بني إسرائيل» للإخبار عن تواصل الأمّة القرآنيّة مع اليهود والمسيحيّين. وإنّما يستعملان أحد هذين المصطلحين: «أهل الكتاب» (أو ما يعادله)، وهو مستعمَل مرّةً واحدة في سورة مكّيّة (ومن المحتمل أن يكون ذلك إدراجًا مدنيًّا فيها)، أو اليهود (الّذين هادوا) والنصارى، وهو مستعمل في السور المدنيّة فقط50.

  • 51 يبدو أنّ الاستثناء الوحيد من هذه المواضع المتعلّقة بحاضر المؤمنين هو الآية 159 من سورة النساء 4 الّ (...)
  • 52 يتواجد المصطلحان بجوار بعضهما في المواضع التالية: آل عمران 3: 93 و 98؛ المائدة 5: 12 و 15؛ والمائدة (...)

54ورد مصطلح «أهل الكتاب» في ثلاثين موضعًا من السور المدنيّة: البقرة 2: 105، 109؛ وآل عمران 3: 64، 65، 69، 70، 71، 72، 75، 98، 99، 110، 113، 199؛ والنساء 4: 123، 153، 159، 171؛ والمائدة 5: 15، 19، 59، 65، 68، 77؛ والأحزاب 33: 26؛ والحديد 57: 29؛ والحشر 59: 2، 11؛ والبينة 98: 1، 6. تشير جميعها تقريبًا إلى تواصل النبيّ وأمّته من جهةٍ مع اليهود والمسيحيّين من جهةٍ أخرى51. في بعض المواضع، يتداخل مصطلح «أهل الكتاب» مع مصطلح «بني إسرائيل»، ويُردّ إلى جواره في بعض الأحيان52. يتميّز مصطلح «أهل الكتاب» عن مصطلح «بني إسرائيل» بأنّه يُستعمل في سياق الحاضر، ومع ذلك حافظتْ المواضع المدنيّة الوارد فيها على السمات العامّة الّتي تميّز استعمال القرآن لمصطلح «بني إسرائيل»، كالتالي: «أهل الكتاب» ضمن المخاطَبين بالقرآن؛ ويبدو أنّ بعض «أهل الكتاب» مؤمنون بمحمّد، لكنّ أكثرهم متّهمٌ بالكفر. وبعيدًا عن المواضع الّتي توجّه الخطاب إلى «أهل الكتاب» مباشرةً، توجد شواهد قليلة على التواصل بينهم وبين النبيّ، على الرغم من أرجحيّة وقوعه. فبالرغم من قلّة الأدلّة الصريحة، أرى أنّ لدينا الكثير من الأدلّة غير الصريحة على وقوع التواصل بين «أهل الكتاب» وأمّة القرآن.

55من الواضح أنّ القرآن يخاطب «أهل الكتاب» مباشرةً. لقد سبق وتناولنا الآية 153 من سورة النساء 3، الّتي يطلب فيها «أهل الكتاب» من محمّد أن ينزّل عليهم كتابًا من السماء. وكذلك يتوجّه النبيّ، في مواضع مدنيّة أخرى كثيرة، بالحديث إلى اليهود والمسيحيّين مباشرة، كما في سورة المائدة 5:

(19) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ َقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗوَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

56يلاقي القرآن هنا اليهود والمسيحيّين على أرضهم، بل وإلى حلّ مسألة الفترة بين الرسل (انقطاع الرسالة)، الّتي اتّفقتْ الأمّتان على وجودها بعد الحقبة الكتابيّة. وكذلك يبيّن أنّ محمّدًا مرسَلٌ إلى المكّيّين غير الإسرائيليّين وإلى الإسرائيليّين في جزيرة العرب على حدٍّ سواء. ونجد أيضًا مخاطبة مباشرة لـ«أهل الكتاب» في المواضع التالية: آل عمران 3: 64 ﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾؛ وآل عمران 3: 65 ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؛ وآل عمران 3: 70، 98 ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ وآل عمران 3: 71 ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾؛ وآل عمران 3: 99 ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ والنساء 4: 171 والمائدة 5: 77 ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ والمائدة 5: 15، 19 ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾؛ والمائدة 5: 59 ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا﴾؛ والمائدة 5: 68 ﴿لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾؛ وهكذا يتبيّن أنّ جميع المخاطَبات المباشرة لـ«أهل الكتاب» في السور المكّيّة (العنكبوت 29: 46-48) والسور المدنيّة تنطوي على انتقادٍ صريح أو ضمنيّ في موضعٍ أو موضعين مدنيّين (آل عمران 3: 64؛ والمائدة 5: 19).

57والأمر الأكثر أهمّيّةً لغرضنا هو التالي: في حين تشير السور المكّيّة (الآيات 76-78 من سورة النمل 27) إلى أنّ القرآن يخاطب بني إسرائيل على نحوٍ عابر تقريبًا، تؤكّد السور المدنيّة ذلك على نحو أكثر تحديدًا وملموسيّة، بمخاطبتها لليهود والمسيحيّين على نحوٍ مباشر ومتواصل – بصفتهم بني إسرائيل، أو أهل الكتاب، أو اليهود والنصارى، كما سنرى. ومن المرجّح حقًّا أنّ تكون هذه المخاطبات واقعيّةً، وذلك لوجود مواضع قرآنيّةٍ كثيرة تتحدّث عن ردود اليهود والمسيحيّين على رسالة القرآن. وردودهم السلبيّة تعنينا هنا أكثر من غيرها لسهولة التثبّت منها نظرًا لطبيعتها العلنيّة. تتّهم بعض هذه المواضع، كالآية 109 من سورة البقرة 2، والآية 69 من سورة آل عمران 3، اليهود والمسيحيّين بالسعي إلى ردّ المؤمنين عن دينهم. وكذلك يُتّهمون، في مواضع أخرى، بالكثير من الضلالات العقَديّة، وهي التهمة الّتي تُعدّ لُبّ خطاب التبديع في العصر القديم المتأخّر. تشير الآية 72 من سورة آل عمران 3 إلى أنّ ﴿طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ آمنتْ بالقرآن في أوّل اليوم وكفرتْ به في آخره. وتنصّ الآية 123 من سورة النساء 4 على أنّ ﴿أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ في نيل الشفاعة يوم الحساب ليستْ سوى أمانيّ باطلة. وتؤكّد الآية 65 من سورة المائدة 5 على أنّ الله كان ليغفر سيّئات «أهل الكتاب» ويدخلهم الجنة فقط لو أنّهم ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾. والأهمّ، أنّ الآيتين الأولى والسادسة من سورة البيّنة 98 تربطان ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بالمشركين.

  • 53 يميّز الشرع الرِبّيّ بين اليهود والأميّين فيما يخصّ القروض: يجوز لليهوديّ إقراض اليهوديّ والأمّيّ ( (...)

58ونجد اتّهاماتٍ متنوّعة ومحدّدة في مواضع أخرى من شأنها أن تشهد على تناقل المعرفة الدينيّة: إذ تتّهم الآية 105 من سورة البقرة 2 ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بأنّهم يكرهون ما ينزّل الله من خير على المؤمنين وتتّهم الآية 75 من سورة آل عمران 3 بعضًا ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بعدم ردّ قروض المؤمنين. وتخبر الآية 29 من سورة الحديد 57 ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بأنهم لا ﴿يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّه﴾. قد تنطوي هذه التهم على شيءٍ من المبالغة في بعض مناحي خطاب العصر القديم المتأخّر (كأحكام الرِبّيّين في القروض، على سبيل المثال)، ومع ذلك تُعدّ دليلًا غير صريحٍ على وقوع تواصلٍ فيما سبق53.

  • 54 عن المنافقين في القرآن، انظرْ الحاشية رقم 18 أعلاه.
  • 55 عن الوجوه العقَديّة (اللاهوتيّة) للعنف الدينيّ في العصر القديم المتأخّر وصدر العصر الوسيط، انظرْ، ع (...)

59ترسم لنا هذه المواضع صورةً غير مباشرة للتواصل المكثّف بين أمّة القرآن واليهود والمسيحيّين على مدار الفترة المدنيّة. ويتعلّق آخر صنف من صنوف هذا التواصل بالعنف المقدّس، وهو أمرٌ راسخ في ممارسة العصر القديم المتأخّر وخطابه: تنصّ الآية الثانية من سورة الحشر 59 على أنّ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ﴾، وتآخي الآية 11 من نفس السورة بين المنافقين والّذين كفروا من أهل الكتاب54. وتنصّ الآية 26 من سورة الأحزاب 33 على أنّ الله هو مَن قذف الرعب في قلوب «أهل الكتاب» ومكّن المؤمنين من قتلهم وأسرهم جزاءً على مظاهرتهم للّذين كفروا. وفي هذا شاهدٌ آخر على النزاع العقَديّ بين القرآن واليهود والمسيحيّين في زمنه55.

60وكما كان الحال مع بني إسرائيل، تميّز السور المدنيّة بين المؤمنين والكافرين من أهل الكتاب، نقرأ في سورة آل عمران 3:

(199) ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗأُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

  • 56 عن هذه الآية، انظر، على سبيل المثال: Zellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 181–199.

61تردّد لغة هذه الآية لغة الآية 46 من سورة العنكبوت 29 الّتي تأمر المؤمنين بأن يقولوا لـ«أهل الكتاب» ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ على نحوٍ يكاد يكون حرفيًّا – وهي حجّة قويّة أخرى على أنّ هذه الآية إدراج مدنيّ في سورة العنكبوت 29. ونجد مزاعم شبيهة عن اليهود والمسيحيّين في مواضع مدنيّة أخرى، كالآية 110 من سورة آل عمران 3: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. لا يوجد سبب يدعو القرآن للتقليل من عدد المؤمنين بالنبيّ من اليهود والمسيحيين، ولذلك يبدو أنّ أكثرهم قد كفر به. وعلى العكس، تشهد مزاعم القرآن الدقيقة والمحدّدة هذه على أنّ بعضًا من اليهود والمسيحيّين قد آمنوا بمحمّدٍ في واقع الأمر، كما تبيّن الآية 113 من سورة آل عمران 3 الّتي تتحدّث عن ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ [من أهل الكتاب] يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (انظر الآية 66 من سورة المائدة 5)56.

62لو انصرفنا، أخيرًا، الآن إلى مصطلحات «اليهود»، و«الّذين هادوا»، و«النصارى» – التي لم ترِد إلّا في السور المدنيّة – فسنتبيّن خصيصتين أساسيّتين لدورها: أوّلًا: يتداخل دور مصطلح «اليهود والنصارى» تداخلًا يكاد يكون تامًّا مع دور مصطلح «أهل الكتاب» الّذي تناولناه فيما سبق. فمثل مصطلح «أهل الكتاب»، وعلى خلاف مصطلح «بني إسرائيل»، يستعمل القرآن مصطلح «اليهود والنصارى» للإشارة إلى اليهود والمسيحيّين المعاصرين له على نحو حصريّ تقريبًا. فبدايةً من المرحلة المكّيّة الوسطى فصاعدًا، سمح التداخل بين مصطلحي «أهل الكتاب» و«اليهود والنصارى» – الّذي يجمع اليهود والمسيحيّين معًا، وهو أمرٌ مغفول عنه – للقرآن بالحفاظ على مثلّث العلاقات القائم بين (1) المؤمنين و(2) المشركين والكافرين و(3) الإسرائيليّين. يتّسم هذا المثلّث الاجتماعيّ الأساسيّ في القرآن بين المؤمنين والمشركين والإسرائليين بسيولة زواياه، كما يتبيّن من قرب اليهود والمسيحيّين سواءٌ من المؤمنين أو من المشركين. أمّا المثلث الاجتماعيّ الثانويّ – الّذي يربط النبيّ وأمّته في المدينة باليهود من جهةٍ وبالمسيحيّين من جهةٍ أخرى – فعادةً ما يُخسف بالاستراتيجيّة السجاليّة الّتي تجمع اليهود والمسيحيّين معًا كإسرائيليّين. تميّز مواضع مدنيّة كثيرة بين اليهود والمسيحيّين – وبذلك تتحوّل إلى إبراز المثلّث الاجتماعيّ الثانويّ على حساب المثلّث الأساسيّ المكّيّ. ويحتاج تحديد مدى هذا التحوّل إلى دراسةٍ مستقلّة، لكنّني أميل إلى التشديد على أهمّيّة المثلّث الأوّل لخطاب القرآن عن نفسه. ومع ذلك، أرى أنّ المصطلح الأساسيّ الّذي يستعمله القرآن المدنيّ للإشارة إلى اليهود والمسيحيّين هو «أهل الكتاب» (أو نظائره)، وأنّه لا يعرض عنه إلّا عندما يتحدّث عن اليهود أو المسيحيّين كلٌّ على حِدةٍ، لإبراز الاختلافات أو النزاعات القائمة بينهما. وفي جميع الأحوال الأخرى، يستعمل مصطلح «بني إسرائيل» أو أهل الكتاب. وللمحاججة عن هذا الرأي سأنظر أوّلًا في المواضع الّتي تتحدّث عن اليهود أو المسيحيّين كلٌّ على حدةٍ، ثمّ في المواضع الّتي تتحدّث عنهما معًا، وأخيرًا في المواضع الّتي تتحدّث عن سادتهما معًا.

  • 57 ذكّرني محسن جودارزي بأنّ لفظ يهود يستدعي معنى الفعل هاد (تاب وآب إلى الله)، المستعمَل في الآية 156 (...)
  • 58 عن هذه الآية وتأويلاتها، انظرْ: Zellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 162–164.
  • 59 بعدما اتّهمتْ الآية 14 من سورة المائدة 5 المسيحيّين بنسيان جزء من الكتاب، نصّتْ الآية التالية عليها (...)
  • 60 عن الخطاب التشريعيّ المشترك بين القرآن والتراث المسيحيّ، انظرْ، على سبيل المثال:

63وردتْ هذه المصطلحات: هودًا، واليهود، والّذين هادوا في 21 موضعًا: البقرة: 62، 111، 113، 120، 135، 140؛ وآل عمران: 67؛ والنساء: 46، 160؛ والمائدة: 18، 41، 44، 51، 64، 69، 82؛ والأنعام: 146؛ والتوبة: 30؛ والنحل: 118؛ والحج: 17؛ والجمعة: 6. وورد مصطلح النصارى في 15 موضعًا (نفس المواضع الّتي تذكر اليهود غالبًا): البقرة: 62، 111، 113 (مرّتين)، 120، 135، 140؛ وآل عمران: 67؛ والمائدة: 14، 18، 51، 69، 82؛ والتوبة: 30؛ الحجّ: 17)57. وثمّة خمسة مواضع تتحدّث عن الماضي صراحةً، ورد مصطلح اليهود في أربعةٍ منها: النساء: 160؛ والمائدة: 44؛ والأنعام: 146؛ والنحل: 118، وورد مصطلح النصارى في واحدٍ منها: المائدة: 14. ترسم هذه المواضع الخمسة، مع مواضع أخرى، صورةً مفصّلة بقدرٍ مقبول لتفرّق بني إسرائيل إلى طائفتين بدايةً من زمن المسيح في المقام الأوّل. فكما تقول الآية 14 من سورة الصف 61: ﴿آمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ [المسيحيين] وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ [اليهود] فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾58. ولقد كان لهذا التفرّق عواقب تشريعيّة استمرّتْ حتّى زمن النبيّ محمّد. وهي موضّحةٌ في ثلاثةٍ من هذه المواضع، وكلّها متعلّقة بالأحكام العقابيّة، أي الأحكام الّتي فُرضتْ عليهم عقابًا على معاصيهم السابقة (النساء 3: 160؛ والأنعام 6: 146؛ والنحل 16: 118). وتخبر الآية 50 من سورة آل عمران 3 عن أنّ المسيح قد أحلّهم من بعض هذه الأحكام. وتخبرنا الآية 14 من سورة المائدة 5 – وهي الموضع الوحيد الّذي يتحدّث عن ماضي المسيحيّين – أنّ المسيحيّين قد ﴿نَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، مثل بني إسرائيل من قبلهم (انظرْ الآية 45 من سورة الأنعام 6؛ والآية 151 من سورة الأعراف 7). ويبدو أنّ القرآن في هذه الآية من سورة المائدة يُدخِل المسيحيّين في إطارٍ إسرائيليّ: لو نسي اليهود حظًّا ممّا ذُكّروا به فسينسى المسيحيّون أيضًا حظًّا ممّا ذُكّروا به (سنحلل هذا النهج القرآنيّ أدناه). لكنّني طرحتُ فيما سبق أنّ الآية 14 من سورة المائدة 5 تتّهم المسيحيّين بالغلوّ في التحرّر من الأحكام العقابيّة، وعليه، إذا كان اليهود قد نسوا أنّ المسيح قد خفّف عنهم هذه الأحكام ولذلك يجب عليهم التخلّي عن مراعاتها بعض الشيء، فالمسيحيّون قد أفرطوا في التخلّي عن هذه الأحكام ولذلك يجب عليهم مراعاتها بعض الشيء59. وتشير معظم هذه المواضع المتعلّقة بالأحكام إلى انتقال المعرفة الدينيّة بين أمّة القرآن واليهود والمسيحيّين60.

64تتعلّق المواضع المتبقّية بالحاضر على الأغلب. وليس فيها موضعٌ واحد يتحدّث عن المسيحيّين بمفردهم، في حين توجد أربعة مواضع فقط تتحدّث عن اليهود بمفردهم. ويشهد ذلك على وقوع أحد ضروب التواصل بين أمّة القرآن وأفرادٍ من اليهود، ولعلّ أشدّها أسرًا للانتباه، ذلك الوارد في سورة المائدة 5، بعد بضعة آيات من الموضع الّذي ناقشناه توًّا، وفيه يواسي القرآن النبيّ الّذي يحزنه ترويج اليهود للكفر به:

(41) ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾

  • 61 يبدأ هذا المقطع (المائدة 5: 27–50)، بقتل أحد ابنيْ آدم لأخيه، ثمّ ينتقل إلى مسألة الأحكام وفق الشري (...)
  • 62 انظرْ الحاشية رقم 32 أعلاه.
  • 63 عن زعمهم أنّهم أحبّاء الله، انظرْ الحاشية رقم 65 أدناه. وعن قولهم «يد الله مغلولة»، انظرْ:

65وردتْ هذه الآية في مقطعٍ يتحدّث عن الأحكام الّتي يجب على الإسرائيليّين، كما الأنبياء، القضاء بها في الجرائم. وهي تعرض لموقفٍ يستمع فيه اليهود إلى النبيّ ثمّ ينقلون رسالته إلى الآخرين وفق هواهم. وأفهم هذا الموضع على النحو التالي: يلمّح القرآن إلى أنّ اليهود لا يقبلون حكم النبيّ إلا إذا وافق أحكامهم الكتابيّة المتّهمين بتحريفها61. ورد اتّهام اليهود بأنّهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ في موضع آخر، وهو الآية 46 من سورة النساء 4. ويتجلّى من هذين الموضعين، تطوّر خطاب القرآن حيال بني إسرائيل الّذي ناقشناه فيما سبق، كما يتجلّى من الآية 211 من سورة البقرة 2. في القرآن المكّيّ (الآية الثامنة من سورة الأحقاف 46)، يتّهم المكّيّون النبيّ بأنّه قد افترى الوحي، فيطلب القرآن منهم أن يسألوا اليهود والمسيحيّين الّذين سيشهدون على أنّه وحيٌ من عند الله وليس من عند محمّدٍ. وباتّهام اليهود بتحريف الكتاب، يقلب القرآن تهمة المكّيّين، ويردّد، في نفس الوقت، تهمةً مسيحيّة بارزة ضدّ اليهود62. ولأنّ التهم الّتي يوجّهها القرآن إلى اليهود ذات طابعٍ سِجاليّ راسخ، يجوز عدّها دليلًا غير صريح على وقوع مواجهات تاريخيّة بين النبيّ وبينهم. وينطبق ذلك على المواضع الّتي تتّهم اليهود بأخطاء عقَديّة، مثل قولهم إنّ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة 5: 64)، وزعمهم أنّهم ﴿أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ﴾ (الجمعة 62: 6) – وهي تهم سِجاليّة تستدعي أقوالًا يهوديّة من العصر القديم المتأخّر63.

66تذكر المواضع الاثنا عشر المتبقّية اليهود والمسيحيّين معًا. وتشبه هذه المواضع تلك الّتي ورد فيها مصطلح أهل الكتاب، ممّا يشي بالقرب الشديد بين هذا المصطلح ومصطلح «اليهود والنصارى». وأكرّر، يستعمل القرآن مصطلحي اليهود والنصارى، إمّا فُرادى، كما في المواضع الّتي أتينا على ذكرها أو معًا، كما في المواضع الّتي سنأتي على ذكرها – يورد القرآن المصطلحين معًا عندما يريد إبراز بعض الفروق بين هاتين الطائفتين. ولننظرْ في هذا الموضع من سورة المائدة 5:

(82) ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾

  • 64 كما أشار الدارسون السابقون، ليس من الواضح ما إذا كانت عبارة ﴿إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ تُعدّ تعبيرًا دقيقًا (...)

67يركّب القرآن هنا المثلّث الاجتماعيّ الثانويّ (المؤمنون، اليهود، النصارى) فوق المثلّث الاجتماعيّ الأساسيّ (المؤمنون، المشركون، أهل الكتاب)، وذلك بالجمع بين اليهود والمشركين، وبالثناء على سادة المسيحيّين لقربهم من المؤمنين64. لكن حتّى عندما يميّز القرآن بين طائفتي بني إسرائيل، ويربط اليهود بخصومه من العرب، المشركين (الّذي يربط أيضًا بينهم وبين ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كما في الآيتين الأولى والسادسة من سورة البيّنة 98)، يظلّ يذكر اليهود والمسيحيّين معًا، وبذلك يحافظ على تشديده الأوّليّ على الوحدة القوميّة لبني إسرائيل ماضيًا وحاضرًا، على الرغم من الاختلافات القائمة بينهما واختلاف علاقة كلٍّ منهما بالمؤمنين. إضافةً إلى ذلك، يتحدّث القرآن عن اليهود والنصارى هنا على نحوٍ وثيق الصلة بالمواضع الّتي يتحدّث فيها عن مواجهات أمّة القرآن مع «أهل الكتاب» في المدينة حصرًا أو في المقام الأوّل. والفرق الأساسيّ بين استعمالات مصطلح «أهل الكتاب» ومصطلح «اليهود والنصارى» هو التالي: تتحدّث المواضع الّتي يرد فيها ذكر اليهود والمسيحيّين بالاسم دائمًا عن تفرّقهما واختلافهما سواءٌ صراحةً أو ضمنًا.

  • 65 نجد نظائرَ مفهوميّة ومعجميّة لقول اليهود والمسيحيّين بأنّهم ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (الآ (...)

68ثمّة عددٌ من المواضع الّتي تتّهم اليهود والمسيحيّين كليهما بأخطاءٍ عقديّة: في الآية 111 من سورة البقرة 2، يقول اليهود والمسيحيّون ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾؛ وفي الآية 113 من سورة البقرة 2، يقول اليهود ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ ويقول المسيحيّون ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾؛ وتنصّ الآية 120 من سورة البقرة 2 على أنّ اليهود والمسيحيّين لن يرضوا عن النبيّ حتى يتّبع ملّتهم؛ وفي الآية 135 من سورة البقرة 2، يقول اليهود والمسيحيّون للمؤمنين بمحمّد ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا﴾؛ وفي الآية 18 من سورة المائدة 5، يقول اليهود والمسيحيّون إنّهم ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾؛ وفي الآية 30 من سورة التوبة 9 يقول اليهود ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ويقول المسيحيّون ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. وتبيّن هذه الأقوال الانقسام بين طائفتي أهل الكتاب. ومع ذلك يبيّن إيراد القرآن لليهود والمسيحيّين وأخطائهما معًا في نفس المواضع حرص القرآن على مخاطبتهما بصفتهما أمّةً إسرائيليّة واحدة، حتّى عندما يكون من الضروريّ النصّ على اختلافاتهما عن بعضهما البعض. ويورد القرآن، مرارًا، في هذه المواضع معتقداتٍ واقعيّة موجودة في التراثين اليهوديّ والمسيحيّ65.

69وكما هو الحال مع أهل الكتاب، توجّه القرآن مرّةً واحدة بالسؤال المباشر إلى اليهود والمسيحيّين معًا، لكن ضمنيًّا في الآية 140 من سورة البقرة 1: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾. والتمييز بين اليهود والمسيحيّين جوهريّ هنا، لأنّه يبيّن أنّ المسيحيّين، مثل اليهود، يريدون أن يستأسروا لأنفسهم بأسلاف بني إسرائيل (يرى اليهود أنّ الآباء الإسرائيليّين قد بُشّروا باليهوديّة الرِبّيّة كما يرى المسيحيّون أنّهم قد بُشّروا بالمسيحيّة). لكن من الجدير بالملاحظة هنا أنّ الآية لم تسمّ المخاطَبين بالسؤال صراحةً. وعليه، عندما يتوجّه القرآن مباشرةً بالخطاب إلى اليهود والمسيحيّين المعاصرين له يميل إلى استعمال مصطلح أهل الكتاب، ونادرًا ما يستعمل مصطلحي بني إسرائيل أو اليهود (انظرْ الآية السادسة من سورة الجمعة 62)، في حين لم يتوجّه إلى المسيحيّين (النصارى) وحدهم بخطابٍ مباشر قطّ.

  • 66 انظرْ: Ambros, A Concise Dictionary, pp. 295–297، وانظرْ أيضًا الآيات 78-80 من سورة المائدة 5، الّت (...)

70وكما هو الحال مع أهل الكتاب، ثمّة تلميحٌ إلى وجود نزاعٍ مسلّح بين الأمّة القرآنيّة وبعض اليهود والمسيحيّين، كما يمكننا أن نستنبط من النهي في الآية 51 من سورة المائدة 5 عن اتّخاذ ﴿الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. معاني الجذر و-ل-ي واسعةٌ، من ضمنها النصرة والصداقة والتحالف66. وهذا هو الموضع الوحيد الّذي يشير فيه القرآن إلى وجود تحالفٍ سياسيّ بين طائفتي بني إسرائيل – أو بين بعضٍ منهما على الأقلّ – بالرغم من خلافاتهما العقَديّة. وكما هو الحال مع حديثه عن تحالف اليهود والمسيحيّين مع المشركين أو الكافرين (والمنافقين)، لا يقدّم القرآن بحدّ ذاته لنا سبيلًا للتثبّت من واقعيّة هذه التحالفات. ومع ذلك لا يوجد سببٌ وجيه يدعونا إلى عدّ حديثه عن هذه التحالفات محض اختلاقٍ، إذ لن يعود عليه ذلك بأيّ نفعٍ لا في هذا الموضع ولا في غيره من المواضع.

  • 67 من العسير تحديد هويّة الصابئين، وللرأي القائل أنّهم «الأمّيّين المستهودين» (God-Fearers)، انظرْ: Go (...)

71وأخيرًا، كما هو الحال مع أهل الكتاب، يشير القرآن إلى المؤمنين مِن اليهود والمسيحيّين: تنصّ الآية 62 من سورة البقرة 2 على أنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾67. ونجد هذه العبارة مكرّرةً جزئيًّا في الآية 69 من سورة المائدة 5. في المقابل تنصّ الآية 17 من سورة الحجّ 22 على أنّ الله سيفصل يوم القيامة بين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، دون تحديد لدرجة إيمان اليهود والمسيحيّين.

72تقتضي هذه الآيات تناقل المعرفة الدينيّة وشكلًا من أشكال التواصل بين النبيّ وأمّته من جهةٍ واليهود والمسيحيّين من جهةٍ أخرى. عدّ اليهود الرِبّيّون قاطبةً أنفسهم من ذرّية إسرائيل، وكذلك زعم المسيحيّون أنّهم أيضًا من ذرّيته، وهو الزعم الّذي سخر منه اليهود، وردّوا عليه بأنّ المسيحيّين من ذرّية عيسو وليس يعقوب. أمّا المسيحيّون الّذين تواصلوا مع النبيّ وأمّته – أتباع المسيحيّة الحبشيّة، أو البيزنطيّة، أو السريانيّة الشرقيّة أو الغربيّة، أو العربيّة المحلّيّة – فقد أظهروا علاقتهم بإسرائيل بطرائق معقّدة على الأرجح. فلقد كان مصطلح «بني إسرائيل» كافيًا لمخاطبة المكّيّين لكن لعله لم يكن كافيًا لمخاطبة أهل المدينة، لذلك عمد القرآن إلى استعمال مصطلحي «أهل الكتاب» و«اليهود والنصارى». لكن حتّى إذا كان ذلك هو الحال حقًّا، ينبغي ألّا نغفل عن الاتّصال الوثيق بين هذه المصطلحات على مدار القرآن المكّيّ والمدنيّ.

73لا يفصل القرآن في حديثه بين اليهود والمسيحيّين إلّا في المواضع التّي تبيّن اختلافاتهما التشريعيّة والعقَديّة. يميل القرآن إلى عرض الأقوال العقَديّة لليهود والمسيحيّين بصفتها ذات صلةٍ ببعضها، وهذا نهجٌ نافع وله أساسٌ تاريخيّ في استقطاب الخطاب اليهوديّ والمسيحيّ. وفي ضوء ذلك، يبدو أنّ القرآن يستشكل الانقسام الهويّاتيّ بين اليهود والمسيحيّين، ويشدّد على إرثهم الإسرائيليّ المشترك. وفي المقابل، يبرز القرآن أيضًا الاختلاف بين الإسرائيليّين وتقويضهما لبعضهما. وأرى أنّ هذين الميلين (التشديد على الوحدة بين اليهود والمسيحيّين والتشديد على الخلاف بينهما) غير متناقضين وإنّما يكمل أحدهما الآخر. فكما رأينا في الآيات 76-78 من سورة النمل 27، كان جليًّا لأمّة القرآن أنّ ثمّة سبيلين لا ثالث لهما لاستعادة وحدة بني إسرائيل: إمّا الإيمان بالقرآن أو قضاء الله في الآخرة.

  • 68 انظرْ: Zellentin, “Aḥbār and Ruhbān”; Palombo, “ʻWhy Do the Rabbis...’”; Beeston, “Foreign Looanwor (...)

74من شأن نظرةٍ سريعة على المواضع المدنيّة الّتي تصوّر المواجهات مع سادة اليهود والمسيحيّين أن تجلي حديث القرآن عن تواصل النبيّ وأمّته مع اليهود والمسيحيّين بدرجةٍ أشدّ. لقد رأينا أهمّيّة ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كشهداء على صحّة رسالة محمّد في الآية 197 من سورة الشعراء 26 المكّيّة. لكن نجد في المدينة أنّ سادة المسيحيّين فقط هم الذين آمنوا برسالة محمّد، كما يتبيّن من اختصاص القرآن القسّيسين والرهبان بالثناء في الآية 82 من سورة المائدة 5. ولعلّ القرآن يشير بهذين الصنفين إلى المراتب العليا والدنيا في قيادة الكنيسة، معبّرًا عن الحدود النفّاذة بين شتّى المناصب الكنسيّة وبين الكهنوت والرهبنة. وبصرف النظر عن معناهما الدقيق، يتّفق مصطلح قسّيس مع الاصطلاح المسيحيّ في العصر القديم المتأخّر، ونجده في نقوش جنوب الجزيرة العربيّة68. الآية 82 من سورة المائدة 5 هي الموضع الوحيد الّذي ورد فيه سادة المسيحيّين بمفردهم، الموضع الوحيد الّذي يقتصر على وصف المسيحيّين بمعزلٍ عن اليهود. ولأنّ القرآن يميل في الغالب إلى الحديث عن اليهود والمسيحيّين معًا، يشير هذا الموضع إلى وقوع اتّصالٍ تاريخيّ بين الأمّة القرآنيّة وسادة الكنيسة. ويتّفق هذا القرب الظاهر بين المسيحيّين وأمّة القرآن مع تأييد القرآن المكّيّ لأدوار السادة بين الإسرائيليّين ودور علماء بني إسرائيل كشهداء على صحّة رسالة محمّد. لكنّ تأييد المسيحيّين قد تحوّل هنا من الاستشهاد بهم إلى الإخبار عن القرب الدينيّ بينهم وبين المؤمنين عامّةً.

  • 69 قد يحيل لفظ ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ في الآية 79 من سورة آل عمران 3 على الرِبّيّين، ونجد استعمالًا مختلفًا (...)
  • 70 نجد في Mishna Pirqe Avot 1: 1–18 هذه السلسلة النقليّة (أو الإسناد): تلقّى موسى التوراة (الشفهيّة عل (...)
  • 71 انظرْ: Zellentin, “Aḥbār and Ruhbān”, pp. 267–271. ولقد قَبِل رافايل دسكالو (“Dascalu, “Revisiting (...)

75أمّا سادة اليهود فقد ورد ذِكرهم بمفردهم دون أيّ إشارةٍ إلى المسيحيّة في موضعين69. الأوّل، هو الآية 44 من سورة المائدة 5 الّتي تقبل وراثة الربانيّين والأحبار للأنبياء، بما يتّفق عامّةً مع المعتقد الرِبّيّ في وراثة الرِبّيّين لأنبياء بني إسرائيل، والّذي نجده أيضًا في بعض النصوص المسيحيّة70. لقد حاججتُ في دراسةٍ سابقة عن أنّ مصطلحي ربّانيّون وأحبار أقرب إلى الاستعمال الفلسطينيّ وليس البابليّ للمقابلات العبرانيّة والآراميّة لهذين المصطلحين، وهو ما يشير إلى تناقل معرفةٍ دينيّة محدّدة71. والثاني، هو الآية 63 من سورة المائدة 5 الّتي تنتقد الأحبار والرهبان على عدم هداية أتباعهم كما ينبغي:

(63) ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

  • 72 تتّهم الآية 42 من سورة المائدة 5 اليهود بأنّهم ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ وانظرْ أيضًا الآيتين 62-63 (...)
  • 73 نقد ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ في الآية 63 من سورة المائدة 5 مذكورٌ في سياق توبيخ لـ«أهل ال (...)
  • 74 «أهل الكتاب» متّهمون بالصدّ عن سبيل الله في الآية 99 من سورة آل عمران 3 (وفي الآية 167 من سورة النس (...)

76يذكّرنا هذا الاتّهام بانتقاد القرآن في مواضعَ أخرى لسادة اليهود والمسيحيّين72. هذه الآية هي الموضع الوحيد الّذي اختصّ فيه القرآن سادة اليهود بالذمّ، تمامًا كما اختصّ سادة المسيحيّين بالثناء في موضعٍ واحد (المائدة 5: 82). يشهد تخلّي القرآن عن عادته في الحديث عن اليهود والمسيحيّين معًا عن خصوصيّة هذه المرحلة التاريخيّة، ومع ذلك يمكن ربط لغة الآية 63 من سورة المائدة 5 بالخطاب المسيحيّ في ضوء اتّهامات القرآن الأخرى الموجّهة إلى سادة اليهود والمسيحيّين كليهما73. نجد نقدًا لاذعًا لسادة اليهود والمسيحيّين في موضعين آخرين: الأوّل، الآيتان 30-31 من سورة التوبة 9، وفيهما يتّهم القرآن اليهود والمسيحيّين باتّخاذ ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ – وهي تعبيرٌ مغالٍ عن تهمة أساسيّة متبادَلة بين اليهود والمسيحيّين، نجدها في التراث الرِبّيّ والمسيحيّ خاصّةً. الثاني، الآية 34 من سورة التوبة 9، وفيها يتّهم القرآن الأحبار والرهبان بأنّهم ﴿يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ وبأنّهم ﴿يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. التهمة الثانية شائعة في القرآن، أمّا التهمة الأولى فتماثل تهمةً موجّهة إلى الأساقفة في التراث المسيحيّ74. في هذه المواضع، يلتزم القرآن بعادته في انتقاد اليهود والمسيحيين معا، على نحو متفق مع ميله إلى الجمع بين أفعال – وخاصّة آثام – طائفتي أهل الكتاب، كما رأينا على مدار هذه الدراسة. في المقابل، تُعدّ المواضع الّتي ينتقد فيها كلّ طائفةٍ منهما على حدةٍ دليلًا صريحًا على وقوع تواصلٍ بين الأمّة القرآنيّة وسادة اليهود والمسيحيّين، ودليلًا غير صريح على تناقل المعرفة الدينيّة بين الطرفين.

خاتمة

  • 75 يرى محسن جودارزي أنّ هويّة الأمّة القرآنيّة هويّة «إسماعيليّة»، تجمع بين مناحي عموميّة وخصوصيّة (“G (...)

77أبرزتْ هذه الدراسة وجهين من وجوه اصطلاح القرآن وتصويره لعلاقة أمّته باليهود والمسيحيّين. أوّلًا، ينبغي حمل مصطلحي «بني إسرائيل» و«أهل الكتاب» على أنّهما يشيران، في المقام الأوّل، إمّا إلى اليهود والمسيحيّين المعاصرين للقرآن أو إلى أسلافهم في الماضي الكتابيّ – حتى عندما ينصبّ حديث القرآن على واحدةٍ من الطائفتين أكثر من الأخرى. يشير مصطلح «بني إسرائيل» إلى الأسلاف الماضين على الأغلب لكنّ القرآن يستعمله للإشارة أيضًا إلى ذرّيتهم المعاصرين له. وبعبارةٍ أخرى، لا يربط القرآن باليهود والمسيحيّين العهود الإلهيّة للإسرائيليّين فحسب وإنّما آثامهم المحصاة أيضًا. يستعمل القرآن هنا أداةً سِجاليّة قويّة ضدّ الجماعات المسيحيّة الّتي قبلتْ، تاريخيًّا، المناحي الحسنة من الإرث الإسرائيليّ – وهي فكرة متّفقة مع مدارس فكريّة مسيحيّة بيزنطيّة، وسريانيّة شرقيّة وغربيّة، وحبشيّة خاصّة – من دون مناحيه السيئة، آثام السلف الإسرائيليّ. أدخل القرآن المدنيّ تعديلًا على هويّة المسيحيّين الإسرائيليّة من خلال استعماله لمصطلح «أهل الكتاب» إلى جانب مصطلح «بني إسرائيل»، ومع ذلك ظلّ الجمع بين اليهود والمسيحيّين مهمًّا لخطاب القرآن السجاليّ، ولهويّته الذاتيّة ككتابٍ عربيّ وإبراهيميّ75.

78ثانيًا، يعبّر مصطلح «أهل الكتاب» عن هذه الفكرة: اليهود والمسيحيّون أخوان متفرّقان ينبغي عليهما أن يضعا خلافاتهما جانبًا. وينبغي حمل مصطلح «اليهود والنصارى» الجامع للطائفتين – والمصطلحات الّتي تعيّن اليهود بمفردهم (اليهود، الّذين هادوا) والمسيحيّين بمفردهم (النصارى – على أنّه يدلّ على معظم ما يدلّ عليه مصطلح «أهل الكتاب» الأوسع. يستعمل القرآن هذين المصطلحين، «أهل الكتاب»، و«اليهود والنصارى»، للإشارة إلى معاصريه من بني إسرائيل، لكنّه يميل إلى استعمال مصطلح «اليهود والنصارى» عندما يكون بصدد إبراز الاختلافات بين هذين الطائفتين.

79يقدّم التأويل الّذي طرحتُه في هذه الدراسة للآيات القرآنيّة ذات الصلة أساسًا جديدًا لتبيين الصورة الّتي يرسمها القرآن لليهود والمسيحيّين، له تبعاتٌ مهمّة على حقلي التأريخ ودراسة القرآن. فلو سعينا إلى تحديد صنف المسيحيّين الّذين تلبّسوا بهويّةٍ إسرائيليّة بما يتّفق مع تصوير القرآن المكّيّ لهم ولسادتهم، قد يتوجّب علينا توجيه نظرنا صوب جنوب الجزيرة العربية والحبشة – من دون إغفال مسيحيّي شمال الجزيرة البيزنطيّين والسريانييّن الشماليّين والغربيّين، بالطبع. ومع ذلك، تصنيف القرآن للمسيحيّين كإسرائليين إلى جانب اليهود ليس مرتهنًا إلى تلبّس المسيحيّين، تاريخيًّا، بالهويّة الإسرائيليّة، مهما بدا ذلك مقنعًا. فكما ذكرنا أعلاه، دحض الرِبّيّون زعم المسيحيّين أنّهم إسرائيليّون عن طريق نسبتهم إلى عيسو وليس يعقوب. لكنّ الأمر الأشدّ أهمّيّةً هو التالي: عندما نسعى إلى تحديد موقف القرآن من اليهود والمسيحيّين، ينبغي علينا أن نتبيّن أيضًا أنّ القرآن يعيد توجيه النقد الكتابيّ للإسرائيليّين نحو اليهود والمسيحيّين كليهما، وبذلك يقلب الطاولة على خطابٍ مسيحيّ مركزيّ ضدّ اليهود.

80وأخيرًا، سعتْ الدراسة إلى تقييم مصداقيّة القرآن التاريخيّة، ولعلّ هذه مساهمتها الأشدّ هشاشةً لكن لعلّها الأشدّ خصوبةً أيضًا. يميل دارسو القرآن حاليًّا إلى قبول القرآن كشاهد على نشأة الأمّة القرآنية المبكّرة. لكنّهم لم يجمعوا، حتى الآن، على دقة ما يخبر عنه تاريخيّا. وباعتماد نهجٍ تأويليّ شكّيّ (Hermeneutics of Suspicion) بسيط، سعتْ الدراسة إلى تبيين التالي: عندما أخبر القرآن مستمعيه بما أخبرنا به واجه تمحيصًا فوريًّا منهم، وهو ما يستلزم تحرّيه درجةً عالية من الدقّة التاريخيّة. يتدخّل منظور القرآن اللاهوتيّ في انتقائه وتأويله للوقائع الّتي يخبر عنها. أمّا عرضه لهذه الوقائع فقد كان مقيّدًا بصدق الرسول الّذي كان يخبر عن واقعٍ مشاهَد يمكن للمستمعين التثبّت منه.

81This study has been made possible by generous funding from the European Research Council in the framework of the project “The Qur’an as a Source for Late Antiquity” (Grant agreement: 866043).

Haut de page

Bibliographie

Adang, Camilla P., “Hypocrites and Hypocrisy”, in Jane Dammen McAuliffe (ed.), Encyclopaedia of the Qurʾān II, Leiden, Boston, Brill, 2002, pp. 468–472.

Alexander, Philip S., “The Formation of the Biblical Canon in Rabbinic Judaism”, in Philip S. Alexander & Jean-Daniel Kaestli (eds), The Canon of Scripture in Jewish and Christian Tradition, Prahins, Éditions du Zèbre, 2007, pp. 57–80.

Ambros, Arne A., A Concise Dictionary of Koranic Arabic, Wiesbaden, Reichert, 2004.

Amir-Moezzi, Mohammad Ali & Dye, Guillaume (eds), Le Coran des historiens, Paris, Éditions du Cerf, 2019.

Azaiez, Mehdi, “The Eschatological Counter-Discourse in the Qur’an and in the Babylonian Talmud, Sanhedrin, 90b–91a”, in Holger Zellentin (ed.), The Qurʾān’s Reformation of Judaism and Christianity: Return to the Origins, New York, Routledge, 2019, pp. 120–135.

Azaiez, Mehdi, Reynolds, Gabriel Said, Tesei, Tommaso & Zafer, Hamza M. (eds), The Qur’an Seminar Commentary: A Collaborative Study of 50 Qur’anic Passages, Berlin, De Gruyter, 2016.

Bar-Asher Siegal, Michal, Jewish-Christian Dialogues on Scripture in Late Antiquity: Heretic Narratives of the Babylonian Talmud, Cambridge, Cambridge University Press, 2019.

Bar-Asher Siegal, Michal, “Nazarenes (Image) in Rabbinic Sources: What does a Study of the Term Reveal about Rabbinic Attitudes to Christians”, in Karin Hedner Zetterholm, Anders Runesson, Cecilia Wassen & Magnus Zetterholm (eds), Negotiating Identities: Conflict, Conversion, and Consolidation in Early Judaism and Christianity (200 BCE–600 CE), Lanham, Fortress Academic, 2022, pp. 455–468.

Beeston, A.F.L., “Foreign Loanwords in Sabaic”, in Norbert Nebes (ed.), Arabia Felix. Beiträge Zur Sprache Und Kultur Des Vorislamischen Arabien. Festschrift Walter W. Müller Zum 60. Geburtstag, Wiesbaden, Harrassowitz, 1994, pp. 39–45.

Berzon, Todd S., Classifying Christians: Ethnography, Heresiology, and the Limits of Knowledge in Late Antiquity, Oakland, University of California Press, 2016.

Boyarin, Daniel, Border Lines: The Partition of Judaeo-Christianity, Philadelphia, University of Pennsylvania Press, 2004.

Carlson, Donald Henry, Jewish-Christian Interpretation of the Pentateuch in the ­Pseudo-Clementine Homilies, Minneapolis, Augsburg Fortress, 2013.

Chadwick, Henry (ed.), Origen: Contra Celsum, Cambridge, Cambridge University Press, 1953.

Cohen, Jeremy, “The Mystery of Israel’s Salvation: Romans 11:25–26 in Patristic and Medieval Exegesis”, Harvard Theological Review 98, 2005, pp. 247–81.

Cohen, Shaye J.D., “A Virgin Defiled: Some Rabbinic and Christian Views on the Origins of Heresy”, Union Seminary Quarterly Review 36, 1980, pp. 1–11.

Cohen, Shaye J.D, The Beginnings of Jewishness: Boundaries, Varieties, Uncertainties, Berkeley, University of California Press, 2001.

Crone, Patricia, “Jewish Christianity and the Qurʾān (Part One)”, Journal of Near Eastern Studies 74, 2015, pp. 225–53.

Crone, Patricia, The Qurʾānic Pagans and Related Matters, Leiden, Brill, 2016.

Dascalu, Raphael, “Revisiting the Qur’anic aḥbār in Historical Context”, Journal of Qur’anic Studies 23, 2021, pp. 41–65.

Donner, Fred M., Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam, Cambridge, MA, Belknap, 2012.

Dost, Süleyman, “An Arabian Qurʾān: Towards a Theory of Peninsular Origins”, PhD dissertation, University of Chicago, 2016.

Dost, Süleyman, “Language of Ritual Purity in the Qurʾān and in Old South Arabian”, in Fred M. Donner & Rebecca Hasselbach-Andee (eds), Scripts and Scripture: Writing and Religion in Arabia, 500–700 ce, Chicago, The Oriental Institute of the University of Chicago, 2022, pp. 157–174.

Fisher, Greg (ed.), Arabs and Empires before Islam, Oxford, Oxford University Press, 2015.

Fredrisken, Paula, Augustine and the Jews: A Christian Defense of Jews and Judaism, New York, Doubleday, 2008.

Gamoran, Hillel, “Talmudic Usury Laws and Business Loans”, Journal for the Study of Judaism in the Persian, Hellenistic and Roman Period 7, 1976, pp. 129–42.

Gardner, Gregg & Osterloh, Kevin (eds), Antiquity in Antiquity: Jewish and Christian Pasts in the Greco-Roman World, Tübingen, Mohr Siebeck, 2008.

Ghaffar, Zishan, Der Koran in seinem religions- und weltgeschichtlichen Kontext. Eschatologie und Apokalyptik in den mittelmekkanischen Suren, Paderborn, Schöningh, 2020.

Gilliot, Claude, “Des indices d’un proto-lectionnaire dans le ‘lectionnaire arabe’ dit Coran”, Comptes rendus des séances de l’Académie des inscriptions et belles-lettres 155, 1, 2011, pp. 455–72.

Goranson, Stephen, “Joseph of Tiberias Revisited: Orthodoxies and Heresies in Fourth-Century Galilee”, in Eric M. Meyers (ed.), Galilee through the Centuries: Confluence of Cultures, Winona Lake, Eisenbrauns, 1999, pp. 335–343.

Goudarzi, Mohsen, “The Second Coming of the Book: Rethinking Qurʾānic Scripturology and Prophetology”, PhD dissertation, Cambridge, MA, Harvard University, 2018.

Goudarzi, Mohsen, “The Ascent of Ishmael: Genealogy, Covenant, and Identity in Early Islam”, Arabica 66, 2019, pp. 1–70.

Goudarzi, Mohsen, “The Written Torah and the Oral Qur’an in Pagan Mecca: Towards a New Reading of Q6:91”, in Bruce Fudge, Kambiz GhaneaBassiri, Christian Lange & Sarah Bowen Savant (eds), Non Sola Scriptura: Essays on the Qur’an and Islam in Honour of William A. Graham, London, Routledge, 2022, pp. 3–22.

Griffith, Sidney, “Al-Naṣārā in the Qurʾān: A Hermeneutical reflection”, in Gabriel Said Reynolds (ed.), New Perspectives on the Qurʾān: The Qurʾān in its Historical Context, Abingdon, Routledge, 2011, pp. 301–332.

Griffith, Sidney, The Bible in Arabic: The Scriptures of the “People of the Book” in the Language of Islam, Princeton, Princeton University Press, 2013.

Hawting, Gerald, The Idea of Idolatry and the Emergence of Islam: From Polemic to History, Cambridge, Cambridge University Press, 1999.

Hedner-Zetterholm, Karin, “‘Jewishly’ Behaving Gentiles and the Emergence of Rabbinic Identity”, Jewish Studies Quarterly 25, 2018, pp. 321–44.

Hoffman, Andreas, “Verfälschung der Jesus-Tradition. Neutestamentliche Texte in der manichäisch-augustinischen Kontroverse”, in Luigi Cirillo & Alois van Tongerloo (eds), Manichaeism and Early Christianity, Turnhout, Brepols, 1997, pp. 149–182.

Hoyland, Robert, “ʿArabī and Aʿjamī in the Qurʾān: The Language of Revelation in Muḥammad’s Ḥijāz”, in Fred M. Donner & Rebecca Hasselbach-Andee (eds), Scripts and Scripture: Writing and Religion in Arabia circa 500–700 CE, Chicago, The Oriental Institute of the University of Chicago, 2022, pp. 105–116.

Hussain, Saqib, “Wisdom in the Qur’an”, PhD dissertation, Oxford, University of Oxford, 2022.

Iricinschi, Eduard & Zellentin, Holger Michael, “Making Selves and Marking Others: Identity and Late Antique Heresiologies”, in Eduard Iricinschi & Holger Michael Zellentin (eds), Making Selves and Marking Others: Heresy and Identity in Late Antiquity, Tübingen, Mohr Siebeck, 2008, pp. 1–27.

Kropp, Manfred, “Lisān ʿarabiyy mubīn – ‚klares Arabisch‘? oder: ‚offenbar Arabisch‘, gar ‚geoffenbartes Arabisch‘”, in Andrew Rippin & Roberto Tottoli (eds), Books and Written Culture of the Islamic World: Studies Presented to Claude Gilliot on the Occasion of his 75th Birthday, Leiden, Brill, 2015, pp. 296–287.

Lecker, Michael, Muhammad and the Jews, Jerusalem, Yad Yitsḥaq ben Tsvi, 2014.

Lowin, Shari, “‘The Jews Say the Hand of God Is Chained’: Q. 5:64 as a Polemic Against a Midrash in a Piyyut of R. Elʿazar Ha-Kallir”, Journal of Qur’anic Studies 21, 2019, pp. 108–39.

Madigan, David, The Qur’ân’s Self-Image: Writing and Authority in Islam’s Scripture. Princeton, Princeton University Press, 2001.

Maghen, Zeʾev, After Hardship Cometh Ease: The Jews as Backdrop for Muslim Moderation, Berlin, Walter de Gruyter, 2006.

Moiseeva, Evgenïa, “The Old Testament in Fourth-Century Christian-Manichaean Polemic”, Journal of Late Antiquity 11, 2018, pp. 274–97.

Morgenstern, Matthias, Die große Genesis-Dichtung: Juden und Christen im Gespräch über das erste Buch der Bibel im Midrasch Genesis Rabba, Paderborn, Brill, Schöningh, 2022.

Narinskaya, Elena, Ephrem, a “Jewish” Sage. A Comparison of the Exegetical Writings of St. Ephrem the Syrian and Jewish Traditions, Turnhout, Brepols, 2010.

Neusner, Jacob, Aphrahat and Judaism: The Christian-Jewish Argument in Fourth-Century Iran, Leiden, Brill, 1997.

Neusner, Jacob, “The Rabbis and Prophecy”, Review of Rabbinic Judaism 17, 2014, pp. 1–26.

Neuwirth, Angelika, The Qur’an and Late Antiquity: A Shared Heritage. Oxford, Oxford University Press, (2010) 2019.

Nöldeke, Theodor, The History of the Qurʾān, translated by Wolfgang H. Behn, Leiden, Brill, (1909–1938) 2013.

O’Connor, Andrew, “Just A Warner? The Prophetic Vocation in the Qur’an and Early Islam”, PhD dissertation, Notre Dame, IN: University of Notre Dame, 2019.

Osman, Ghada, “Pre-Islamic Arab Converts to Christianity in Mecca and Medina: An Investigation into the Arabic Sources”, Muslim World 95, 2005, pp. 67–80.

Palombo, Cecilia, “‘Why Do the Rabbis and Religious Authorities Not Forbid Them from Uttering Sinful Words?’ Qur’anic and Late-Antique Attitudes Toward Religious Scholars”, Paper given at the IQSA Annual International Meeting, Atlanta, GA, 2015.

Pregill, Michael, The Golden Calf Between Bible and Qur’an: Scripture, Polemic, and Exegesis from Late Antiquity to Islam, Oxford, University of Oxford Press, 2020.

Pregill, Michael, “The Two Sons of Adam: Rabbinic Resonances and Scriptural Virtuosity in Sūrat Al-Māʾidah”, JIQSA 6, 2021, pp. 167–224.

Rajak, Tessa, “Talking at Trypho: Christian Apologetic as Anti-Judaism in Justin’s Dialogue with Trypho the Jew”, in Mark J. Edwards, Martin Goodman & Simon Price (eds), Apologetics in the Roman Empire: Pagans, Jews and Christians, Oxford, Oxford University Press, 1999, pp. 59–80.

Reed, Anette, “‘Jewish Christianity’ as Counterhistory? The Apostolic Past in Eusebius’ Ecclesiastical History and the Pseudo-Clementine Homilies”, in Gregg Gardner and Kevin Osterloh (eds.), Antiquity in Antiquity: Jewish and Christian Pasts in the Greco-Roman World, Tübingen, Mohr Siebeck, 2008, pp. 173–216.

Reynolds, Gabriel Said, “On the Qurʾānic Accusation of Scriptural Falsification (taḥrīf) and Christian anti-Jewish Polemic”, Journal of the American Oriental Society 130, 2010, pp. 189–202.

Reynolds, Gabriel Said, “Le problème de la chronologie du Coran”, Arabica 58, 2011, pp. 477–502.

Reynolds, Gabriel Said, The Qur’ān and the Bible: Text and Commentary, New Haven, Yale University Press, 2018.

Robin, Christian J., Les hautes-terres du Nord-Yémen avant l’islam: II. Nouvelles inscriptions, Istanbul, Nederlands Historisch-Archaeologisch Instituut, 1982.

Rubin, Uri, “Jews and Judaism”, in Jane Dammen McAuliffe (eds), Encyclopaedia of the Qurʾān III, Leiden, Brill, 2003, pp. 21–34.

Sachedina, Abdulaziz A., “Jews, Christians and Muslims According to the Qur’an”, Greek Orthodox Theological Review 31, 1986, pp. 105–20.

Sackur, Ernst, Sibyllinische Texte und Forschungen: Pseudomethodius, Adso und die tiburtinische Sibylle, Halle, Max Niemayer, 1898.

Saleh, Walid, “The Preacher of the Meccan Qur’an: Deuteronomistic History and Confessionalism in Muḥammad’s Early Preaching”, Journal of Qur’anic Studies 20, 2018, pp. 74–111.

Schäfer, Peter, Judeophobia: Attitudes Toward the Jews in the Ancient World, Cambridge, MA, Harvard University Press, 2009.

Schremer, Adiel, Brothers Estranged: Heresy, Christianity and Jewish Identity in Late Antiquity, Oxford, Oxford University Press, 2010.

Shaddel, Mehdy, “Qurʾānic ummī: Genealogy, Ethnicity, and the Foundation of a New Community, Jerusalem Studies in Arabic and Islam 43, 2016, pp. 1–60.

Shaw, Brent, Sacred Violence: African Christians and Sectarian Hatred in the Age of Augustine, Princeton, Princeton University Press, 2011.

Shoemaker, Steven, The Apocalypse of Empire: Imperial Eschatology in Late Antiquity and Early Islam, Philadelphia, University of Pennsylvania Press, 2018.

Shoemaker, Steven, Creating the Qur’an: A Historical-Critical Study, Oakland, University of California Press, 2022.

Simon, Marcel, Verus Israel: A Study of the Relations Between Christians and Jews in the Roman Empire (ad 135–425), Liverpool, Littman Library of Jewish Civilization, (1948) 1996.

Sinai, Nicolai, The Qur’an: A Historical-Critical Introduction, Edinburgh, Edinburgh University Press, 2016.

Sizgorich, Thomas, Violence and Belief in Late Antiquity: Militant Devotion in Christianity and Islam, Philadelphia, University of Pennsylvania Press, 2008.

Stein, Peter, Lehrbuch der sabäischen Sprache. 2. Teil: Chrestomathie, Wiesbaden, Harrassowitz, 2021.

Stewart, Devin, “Noah’s Boat and Other Missed Opportunities”, Journal of the International Qur’anic Studies Association 6, 2021, pp. 17–67.

Tesei, Tommaso, “Heraclius’ War Propaganda and the Qurʾān’s Promise of Reward for Dying in Battle”, Studia Islamica 114, 2020, pp. 219–47.

Trevett, Christine, Montanism: Gender, Authority and the New Prophecy, Cambridge, Cambridge University Press, 1996.

Valkenberg, Pim, No Power over God’s Bounty: A Christian Commentary on the “People of Scripture” in the Qur’ān, Leuven, Peeters, 2021.

Webb, Peter, Imagining the Arabs: Arab Identity and the Rise of Islam, Edinburgh, Edinburgh University Press, 2016.

Wendel, Susan J., Scriptural Interpretation and Community Self-Definition in Luke-Acts and the Writings of Justin Martyr, Leiden, Brill, 2011.

Wilken, Robert L., John Chrysostom and the Jews: Rhetoric and Reality in the Late 4th Century, Eugene, OR, Wipf and Stock, 2004.

Zellentin, Holger, The Qurʾān’s Legal Culture: The Didascalia Apostolorum as a Point of Departure, Tübingen, Mohr Siebeck, 2013.

Zellentin, Holger, “Aḥbār and Ruhbān: Religious Leaders in the Qurʾān in Dialogue with Christian and Jewish Literature”, in Angelika Neuwirth & Michael Sells (eds), Qurʾānic Studies Today, New York, Routledge, 2016, pp. 258–289.

Zellentin, Holger, “Trialogical Anthropology: The Qurʾān on Adam and Iblis in View of Rabbinic and Christian Discourse”, in Rüdiger Braun and Hüseyin Çiçek (eds), The Quest for Humanity. Contemporary Approaches to Human Dignity in the Context of the Qurʾānic Anthropology, Newcastle upon Tyne, Cambridge Scholars Publishing, 2017, pp. 54–125.

Zellentin, Holger, “The Rise of Monotheism in Arabia”, in Josef Lössl & Nicholas J. Baker-Brian (eds), A Companion to Religion in Late Antiquity, Chichester, Wiley, 2018, pp. 157–180.

Zellentin, Holger, “Q96 Sūrat al-ʿAlaq Between Philology and Polemics: A (Very) Critical Assessment of Günter Lüling’s Ur-Qurʾān”, in George Tamer (ed.), Die Koranhermeneutik von Günter Lüling, Berlin, De Gruyter, 2019a, pp. 159–185.

Zellentin, Holger, “The Synchronic and the Diachronic Qurʾān: Sūrat Yā Sīn, Lot’s People, and the Rabbis”, in Asma Hilali & S.R. Burge (eds), The Making of Religious Texts in Islam: The Fragment and the Whole, Berlin, Gerlach Press, 2019b, pp. 111–172.

Zellentin, Holger, “Beyond Ring Composition: A Comparison of Formal Features in Sūrat al-ʿAlaq (Q 96) and Bavli Bava Batra 8a”, in Marianna Klar (eds), Structural Dividers in the Qur’an, Abingdon, Routledge, 2021a, pp. 54–91.

Zellentin, Holger, “One Letter Yud Shall Not Pass Away from the Law: Matthew 5:17 to Shabbat 116a-B”, in Ilkka Lindstedt, Nina Nikki & Riikka Tuori (eds), Religious Identities in Antiquity and the Early Middle Ages: Walking Together & Parting Ways, Leiden, Brill, 2021b, pp. 204–258.

Zellentin, Holger, Law Beyond Israel: From the Bible to the Qur’an, Oxford, Oxford University Press, 2022.

Zellentin, Holger, „Die Entstehung des koranischen Rechts, die Bibel und Byzanz: zwischen der Rückkehr zur Tradition und Ihrer Erneuerung‟, in Bernhard Sven Anuth, Michael Droege & Stephan Dusil (eds), Normativität – Religion – Mobilität, Tübingen, Mohr Siebeck, 2023, pp. 113–145.

Haut de page

Notes

1 أُنجزتْ هذه الدراسة بفضل معونةٍ من مجلس البحوث الأوروبّيّ، في إطار برنامج «القرآن كمصدرٍ من مصادر العصر القديم المتأخّر»، منحة رقم: 866043. وأنا مدين بالكثير من التعقيبات والتصويبات على مسوّدة من هذه الدراسة لكلٍّ من آنا دافيتاشفلي، ومحسن جودارزي، وراشد جويال، وثاقب حسين، وباربارا روجيما، ونيكولاي سايناي، ومحكّم الدراسة الّذي حسّنتْ تعقيباته من جودتها.

2 لبعض التبصّرات في القيمة التاريخيّة لتصانيف المِلل والنِحل والفرق الدينيّة البدعيّة (الهرطوقية) انظرْ، على سبيل المثال:

Berzon, Classifying Christians; Iricinschi and Zellentin, “Making Selves and Making Others”.

3 تشديدي على أنّ القرآن نصّ نبويّ، تلاه النبيّ ad libitum (حسب المراد) على أسماع أمّة ناشئة، يناقض، عن قصد، الافتراضات الإشكاليّة الّتي تعِدّ القرآن نصًّا «مؤلَّفًا» مكتوبًا بيد مؤلّف أو أكثر. وأنا أستند في ذلك على أنجِليكا نويڨرت (Neuwirth, The Qur’an and Late Antiquity).

وللنهج الإشكاليّ المناقض انظرْ: Shoemaker, Creating the Qur’an، وأكثر التحليلات المنشورة في: Amir-Moezzi and Dye, Le Coran des historiens.

4 يظلّ تحقيب ثيودور نولدكه لسور القرآن (Nöldeke, The History of the Qurʾān) أساسيًّا لحقل الدراسات القرآنيّة. ويقبل جمهور العلماء بتمييزه بين الفترة المكّيّة والفترة المدنيّة وبترتيبه التقريبيّ للسور المكّيّة (المبكّرة والوسطى والمتأخّرة). وللتلخيص وبعض التعديلات، انظرْ: .Sinai, The Qur’an, pp. 111–137

ولمحاولتي لبناء تحقيب سور القرآن على نهج أدبيّ مقارَن، انظر:

Zellentin, “The Synchronic and Diachronic Qurʾān”.

ولنقدٍ شديد لتحقيب نولدكه، انظرْ:

Reynolds, “Le Problème de la chronologie du Coran”.

5 لعلاقة القرآن بالعصر القديم المتأخر، انظرْ:

Neuwirth, The Qur’an and Late Antiquity; Reynolds, The Qurʾān and the Bible; Sinai, The Qur’an, pp. 59–78, 138–158; Zellentin, Law Beyond Israel; The Qurʾān’s Legal Culture.

وانظرْ الحاشية رقم 10 أدناه.

6 تثبت الاكتشافات الأثريّة المتزايدة وجود جماعاتٍ يهوديّة ومسيحيّة في جنوب غرب جزيرة العرب، على سبيل المثال، في نجران، وقرية الفاو، وحِماه. وفي شمال غربها، على سبيل المثال، في العُلا، وتيماء، ومدائن صالح. وفي البحرين التاريخيّة وفي جزرٍ خليجيّة عدّة كصير بني ياس (انظر، على سبيل المثال: Fisher, Arabs and Empires Before Islam). في المقابل، لا توجد حتّى الآن مكتشفاتٌ أثريّة تثبت وجود اليهود والمسيحيّين في مكّة والمدينة خاصّةً، وإنّما يُعتمد في ذلك على أدلّة القرآن والمرويّات التاريخيّة في التراث الإسلاميّ، انظرْ، على سبيل المثال:

Osman, “Pre-Islamic Arab Converts to Christianity in Mecca and Medina”, pp. 67–80.

وانظرْ الحاشية رقم 10 أدناه.

7 على سبيل المثال: حتّى الوعد الإلهيّ بالتدخل في المعركة الوارد في سورة الأنفال 8: 9-11، فيه قدرٌ من التحوّط، بل ذو طابعٍ نفسانيّ تقريبًا، وذلك لضمان عدم اعتماد صحّة الوحي على رؤية المؤمنين لأيّ معجزةٍ سوى الوحي نفسه: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٍ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَام (11)َ﴾.

8 قد أُرسِل موسى أيضًا، في ضربٍ من التبشير بعموميّة دعوة عيسى ومحمّد، إلى بني إسرائيل وإلى غيرهم (قوم فرعون). في المقابل، لم يصرّح القرآن بهويّة قوم يونس. وعن النبوّة في القرآن، انظرْ:

Hussain, “Wisdom in the Qur’an”; O’Conor, “Just A Warner?”; Saleh, “The Preacher of the Meccan Qur’an”; Goudarzi, “The Second Coming of the Book”; Dost, “An Arabian Qurʾān”.

9 عن مصداقيّة القرآن التاريخيّة، انظرْ:

Ghaffar, Der Koran in seinem religions-und weltgeschichtlichen Kontext, pp. 1–14.

10 عن صعوبة استنباط استنتاجاتٍ تاريخيّة من تصوير المواجهات بين سادة الأمّة والمبتدعة في التراث اليهوديّ، انظرْ، على سبيل المثال:

Bar-Asher Siegal, Jewish-Christian Dialogues on Scripture in Late Antiquity; Hedner-Zetterholm, “ʻJewishlyʼ Behaving Gentiles”.

ينبغي فهم هذه المواجهات كمساعي إلى تكوين الهويّة الرِبّيّة الذاتيّة، في المقام الأوّل، لكنّ هذا لا يمنع من أن تكون هذه المواجهات قد وقعتْ بالفعل، كما أشارت هِدن-زيترهولم، وبالتالي يمكن عدّها أدلّةً غير صريحةٍ، على أقلّ تقديرٍ، على وقوع مواجهات بين اليهود والمسيحيّين. وتُعدّ كتابات أفرحات (فِرهاد الفارسي) مثالًا موازيًا من العالم المسيحيّ الناطق بالسريانيّة (انظرْ، على سبيل المثال: Neusner, Aphrahat and Judaism). وأشهر مثالٍ موازٍ من العالم المسيحيّ الناطق باليونانيّة هو كتاب چستين الشهيد Dialogue with Trypho (مناظرة مع تريفو)، المتنازع في صحّة نسبته إليه (انظرْ، على سبيل المثال: Wendel, Scripture Interpretation, pp. 129–141)، وانظرْ أيضًا الحاشيتين رقم 37 و39 أدناه. ولا يوجد شكّ تقريبًا في أنّ مستمعي يوحنّا ذهبيّ الفم من المسيحيّين كانوا يحضرون العبادة في الجامع (الكنيس) اليهوديّ، ولذلك ينبغي فهم خطبه اللاذعة في هذا السياق (انظرْ: Wilken, John Chrysostom and the Jews). على الرغم من الاختلافات الثقافيّة والسياسيّة والجغرافيّة والزمنيّة، من العسير إنكار الشبه بين التحوّل من تقبّل چستين لليهود إلى مهاجمة ذهبيّ الفم لهم والتحوّل من تقبّل القرآن النسبيّ لليهود والمسيحيّين في الفترة المكّيّة إلى مهاجمتهم – الّتي ظلّتْ مقيّدةً غالبًا – في الفترة المدنيّة.

11 توجد مواضع عدّةٌ أخرى تحيل، على الأرجح، إلى مواجهاتٍ مع اليهود والمسيحيّين، خاصّةً ضمن الآيات الّتي تسبق أو تلي تلك الّتي أدرسها هنا. لكن منعًا للّبْس، سأقتصر على الآيات الّتي تستعمل ألفاظًا صريحةً لتسمية اليهود والمسيحيّين. وكذلك أستبعد كتب التاريخ والتفسير الإسلاميّة، على الرغم من أنّني أفترض أنّها تنطوي على نواةٍ تاريخيّة موثوقة، كما يفعل كلٌّ من “Pregill, “The Two Sons of Adam، وLecker, Muhammad and the Jews، على سبيل المثال؛ وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 5 أعلاه. وبصرف النظر عن قيمة المصادر الإسلاميّة الكلاسيكيّة، تتطلّب دراسة صدر الإسلام دراسةً نقديّة تسيّق القرآن (المصدر التاريخيّ الأساسيّ من تلك الفترة) في زمنه على نحو أشدّ متانةً عمّا فُعل حتّى الآن. قد يكون حجاجي عن مصداقيّة القرآن التاريخيّة بلا قيمةٍ عند من يسلّم بذلك كبداهةٍ، ومع ذلك أرى أنّ وحدها قراءةٌ للقرآن ضمن قواعد التحليل النقديّ التاريخيّ يمكنها أن ترسي أساسًا متينًا للدراسات المقبلة.

12 انظر: Zellentin, Law Beyond Israel, pp. 101–105، وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 16 أدناه. ولنلاحظْ أنّ اليهود الرِبّيّون قد تحسّروا على تلبّس المسيحيّين بالهويّة الإسرائيليّة، انظرْ على سبيل المثال: Tanhuma Ki Tisa 34: 1–3، وغيره من المواضع المشابهة. وانظر أيضا: Morgenstern, Die große Genesis-Dichtung, pp. 261–322؛ وقارن مع: Schremer, Brothers Estranged, pp. 121–141.

13 لفظ طائفة المستعمل في هذه الآية من سورة الصفّ 61 مستعمل أيضًا في الآيتين 69 و72 من سورة آل عمران 3 للإشارة إلى فِرقٍ من أهل الكتاب.

14 لاحظ أوري روبين، وهو مصيبٌ في ذلك، أنّ مصطلح «بني إسرائيل» يشير إلى «الأجيال الماضية من اليهود والمسيحيين» وأنّ مصطلح «بني إسرائيل» يُستعمل في بعض الأحيان كمرادفٍ لمصطلح «أهل الكتاب»: “Rubin, “Jews and Judaism؛ وانظر أيضا: “Sachedina, “Jews, Christians and Muslims. وهذا الرأي مدعومٌ من طرف:

Zellentin, The Qurʾān Legal Culture, pp. 163–164; Crone, “Jewish Christianity and the Qurʾān”, p. 203; Goudarzi, “The Second Coming of the Book”, pp. 324–350.

15 أترجم مصطلح «أهل الكتاب» إلى: “Scripture people” وليس إلى: “People of the Book”، وأقتفي في ذلك بدانييل ماديجان، وتمييزه المهمّ بين الكتب الكثيرة والكتاب الواحد: Madigan, The Qur’ân’s Self-Image. ولقد أكدّ محسن جودارزي تبصّرات ماديجان ثمّ نقّحها مزيدًا بتبيينه أنّ الكتاب المقصود في عبارة «أهل الكتاب» هو التوراة: “Goudarzi, “The Second Coming، لكن قارنْ مع “Stewart, “Noah’s Boat. وحريّ بنا أيضًا أن نذكر هنا طرح سيسيليا بالومبو اللافت للانتباه: «يجدر بنا أن نتساءل: ألا تشير [...] عبارة أهل الكتاب [...] في بعض المواضع إلى مَن عندهم علمٌ راسخ بالأخبار الكتابيّة (بغضّ النظر عن طريقة نقلها والشكل الّذي نُقلتْ فيه) وليس إلى المسيحيّين واليهود عامة، أو حتّى إلى الموحّدين على نحوٍ أشدّ إبهامًا؟ فعلى سبيل المثال، تركّز الآيات 42-68 من سورة المائدة على مشكلة الفهم الصحيح للوحي بدرجةٍ تدفعنا إلى طرح هذا السؤال: ألا يشير مصطلح أهل الكتاب، في هذا السياق، إلى شيءٍ شبيه بالأحبار، أي العلماء أو المراجع؟»، “Palombo, “ʻWhy Do the Rabbies...ʼ). ولقد طرح ثاقب حسين طرحًا مشابهًا لهذا: Hussain, “Wisdom”, p. 136 n. 11. ثمّة حججٌ قويّة تدعم تضمّن عبارة «أهل الكتاب» لهذا المعنى (الراسخون في العلم بالكتاب) ومع ذلك، أبني فهمي لعبارة «أهل الكتاب» على الدلالة اللغويّة الأساسية لكلمة أهل: آل. أو بعبارة أخرى: «أهل الكتاب» هم أمّةٌ ذات نسبٍ محدّد، تفرّقتْ مع الزمن، وتلّقت وحيًا إلهيًّا: الألواح الّتي تلقّاها موسى والّتي صدّق عليها عيسى.

16 بالطبع ليستْ هذه المصطلحات الثلاثة المصطلحات الوحيدة الّتي يستعملها القرآن للإشارة إلى اليهود والمسيحيّين في الماضي وفي حاضره. على سبيل المثال: ينبغي قراءة مصطلحَي «بني إسرائيل» و«أهل الكتاب» إلى جانب عبارات من قبيل: أهل الذِكر، والّذين أوتوا الكتاب، والذين حُمّلوا التوراة، والّذين أوتوا العلم. وبالمثل، تشير عبارة أصحاب السبت إلى اليهود على الأرجح، بينما تشير عبارة أهل الإنجيل إلى المسيحيّين. من المهمّ دراسة هذه العبارات بالطبع لكنّني لن أدرسها هنا لضيق المقام، لكن انظرْ الحاشيتين رقم 46 و49 أدناه، وانظرْ كذلك: .Goudarzi, “The Second Coming”, pp. 23–44

17 عندما نتتبّع تطوّر استعمال القرآن لهذه المصطلحات، ينبغي علينا تذكُّر أنّ انتقال القرآن من الإشارة إلى معاصريه اليهود والمسيحيّين ببني إسرائيل إلى الإشارة إليهم بـ«اليهود والنصارى» يتبع استعمال مصطلح «إسرائيل» في العصر القديم المتأخّر كمصطلحٍ ذاتيّ (يشير به بنو إسرائيل إلى أنفسهم) واستعمال مصطلحي «يهود» و«نصارى» (Nazarenes) كمصطلحين غيريّين (يُشار بهما إلى بني إسرائيل)، في معظم اللغات ذات الصلة. ولذلك يعكس تحوّل القرآن من مصطلح «بني إسرائيل» إلى مصطلح «اليهود والنصارى» تحوّله من التوسّل باليهود والمسيحيّين في مكّة كشاهدين على صحّة ما جاء به محمّدٌ إلى مواجهتهما والتصادم معهما في المدينة، حيث يبدو اليهود والمسيحيّين (حاشا طائفةٍ فرعيّة منهما) خصومًا للنبيّ. أمّا مصطلح «أهل الكتاب» فيقوم بين المصطلحين الآخرين: بني إسرائيل (الّذي يشاركه في الدلالة على اليهود والمسيحيّين كليهما) و«اليهود والنصارى» (الّذي يشاركه في التركيز على حاضر الأمة). وبذلك أضحى مصطلح «أهل الكتاب» وسيلةً مركزيّة للتعبير عن الهويّة الذاتيّة الدينيّة للقرآن بصفته وحيًا منزّلًا ليكون هدًى ونورًا لأهل مكّة والمدينة من غير الإسرائيليّين ولإصلاح يهود ومسيحيّي جزيرة العرب. عن الخطاب المحيط بمصطلحي «يهوديّ» و«إسرائيليّ»، انظرْ، على سبيل المثال: Cohen, The Beginnings of Jewishness، ودراسة مارسل سايمون الكلاسيكيّة: Simon, Verus Israel. ولمناقشة الهويّة الذاتيّة الإسرائيليّة في جزيرة العرب، ولإحالة على المكتشفات النقشيّة الحديثة، وعلى الدراسات ذات الصلة، انظرْ : “Zellentin, “The Rise of Monotheism، و “Dost, “An Arabian Qurʾān. انظرْ، أيضا، الحاشيتين رقم 65، و67 أدناه.

18 أستند في تسميتي لأمّة القرآن بـ«المؤمنين» على فرِد دونر (Donner, Muhammad and the Believers). أخالف دونر في قوله إنّ أمّة القرآن كانت أمّةً جامعة وكليّة (بحيث تشمل اليهود والمسيحيّين) بعد الفترة المكّيّة، لكنّي أوافقه في تشديده على أنّها كانت ذات طابعٍ احتوائيّ على الدوام.

19 العلاقة بين الطائفتين الثانية والثالثة معقّدة ونحن في أمسّ الحاجة إلى دراستها. عن هويّة المشركين، انظر: Hawting, The Idea of Idolatry. وعن المشركين والكافرين، انظرْ: Crone, The Qurʾānic Pagans. وعن المنافقين، انظر: “Adang, “Hypocrites and Hypocrisy.

20 عن التصور القرآنيّ للقوميّة (الإثنيّة)، انظرْ: “Goudarzi, “The Ascent of Ishmael، وقارنْ مع: Donner, Muhammad and the Believers. ولتأريخٍ أوسع للتمييزات القوميّة والتشريعيّة بين الهويّة الإسرائيليّة وغير الإسرائيليّة في أوساط اليهود والمسيحيّين، انظرْ: Zellentin, Law Beyond Israel.

21 لتأويلٍ لهذه السورة يضعها في سياقها الأدبيّ اليهوديّ والمسيحيّ، ولدور خصم النبيّ محمّد في بنيتها الأدبيّة، انظرْ: “Zellentin, “Beyond Ring Composition.

22 بعبارةٍ أخرى، لا يعادي القرآن قطّ المسيحيّة أو اليهوديّة أو حتّى اليهوديّة الرِبّيّة في المطلق. وإنّما ينتقد خصالًا أو أفعالًا محدّدة للإسرائيليّين سواءٌ القدماء منهم أو المعاصرين. ولقد حاجج زيشان غفّار حجاجًا مقنعًا عن أنّ نقد القرآن ليس موجّهًا إلى المسيحيّة بما هي كذلك وإنّما إلى الإمبرياليّة البيزنطيّة والحبشيّة، وأنّنا نجد ذلك في وقتٍ مبكّر كالمرحلة المكّيّة الوسطى، Ghaffar, Der Koran, pp. 27–56. وبالمثل، قد أبرزتُ في دراسةٍ سابقة نقد القرآن المطوّل في السور المكّيّة الوسطى والمتأخّرة لبعض أوجه المسيحولوجيّ التنبّؤيّ typological Christology، انظرْ: “Zellentin, “Trialogical Anthropology.

23 عن المعاني النحويّة الممكنة لهذه العبارة في الآية 85 من سورة الإسراء 17، والمواضع المشابهة، انظرْ تعليق شوكت توراوا (Shawkat M. Toorawa) على هذه الآية في: Azaiez et al., The Qur’an Seminar Commentary, p. 211.

24 يبدو استهزاء السائل عن الساعة في الآيات 42-44 من سورة النازعات 79، والآية 187 من سورة الأعراف 7، والآية 12 من سورة الذاريات 51، والآية 105 من سورة طه 20 معقولًا في سياق تأخّر نزول العذاب في مكّة (وإن كان سيتكرّر السؤال عنها في المدينة كما في الآية 63 من سورة الأحزاب 33) كما بيّن وليد صالح (“Saleh, “The Preacher). وبالمثل، وسم مهدي عزايز هذه المواضع: النازعات 79: 42–44، والأعراف 7: 187، والذاريات 51: 12 (دون الأحزاب 33: 63) بأنّها: «خطابٌ أخرويّ مضادّ» (Azaiez, “The Eschatological Counter-Discourse”, pp. 261–263, 271–273).

25 انظرْ تعليقاتي على الآيات 1-19 من سورة الأنفال 8 في: Azaiez et al. The Qur’an seminar, pp. 130–132. نجد مثالًا على تحاور موسى مع بني إسرائيل في الآية 61 من سورة البقرة 2. ويتجلّى الشبه بين موسى ومحمّد من هذا الوجه في مواضع مثل الآية 108 من سورة البقرة 2 والآية 153 من سورة النساء 3 (انظرْ أدناه).

26 أحد الأمثلة على إفراط الإسرائيليّين في سؤال موسى عن مسألةٍ تشريعيّة، هو قصّة البقرة المرويّة في الآيات 67-73 من سورة البقرة 2 حيث كادوا أن يعصوا أمر الله بعدما تلقّوا ردودًا مفصّلة على أسئلتهم في حين كان عليهم أن يطيعوا أمر الله عندما أُمروا به مباشرةً دون أسئلة، انظرْ: Maghen, After Hardship Cometh Ease, pp. 123–160.

27 ورد ذِكر الألواح السماويّة في: الأعراف 7: 145، 150، 154. وتنفي الآية 48 من سورة العنكبوت 29 خطّ محمّد بيمينه مثل هذه الألواح، وانظرْ أدناه. وعن الأخبار المسيحيّة الّتي تربط بين اليهود وفكرة «رؤية الله»، انظرْ: Narinskaya, Ephrem, a “Jewish” Sage, pp. 245–288. وعن الصلة بين الخطاب المسيحيّ عن عبادة العجل وخطاب القرآن عنه، انظرْ: Pregill, The Golden Calf، وZellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 127–155.

28 لم أدرج الآية 58 من سورة مريم 19 الّتي تشير إلى ﴿ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾، على الرغم من صلتها بالموضوع، لأنّها تشير إلى ماضي الإسرائيليّين وليس إلى حاضر القرآن. وكذلك نجد، على الأرجح، إشارةً بالغة العموميّة إلى الاسرائيليّين في الآيات 84–90 من سورة الأنعام 6، كما حاجج محسن جودارزي (Goudarzi, “The Second Coming”, pp. 181–182).

29 ربط القرآن على نحوٍ وثيق بين الماضي والحاضر متّفق مع الآراء المتواترة في العصر القديم المتأخّر في الشرق الأدنى، انظرْ، على سبيل المثال: Gardner & Osterloh, Antiquity in Antiquity؛ وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 49 أدناه.

30 لم يشدّد القرآن على أنّ عيسى مُرسل إلى أيّ أحدٍ سوى بني إسرائيل، لكنّه قد ألمح إلى عموميّة رسالته بقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء 21: 91) تمامًا كما قال عن نوح ومن آمن معه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت 29: 15)، انظرْ: Zellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 128–140؛ وعن النبوّة في القرآن انظرْ الحاشية رقم 7 أعلاه والحاشيتين رقم 30 و33 أدناه.

31 تنصّ الآية 93 من سورة يونس 10 على أنّ بني إسرائيل ﴿مَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بعبارة قريبة من الآية 78 من سورة النمل 27: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾. وانظرْ أيضًا الآية 124 من سورة النحل 16 (عن الاختلاف في السبت)؛ والآيات 23-25 من سورة السجدة 32؛ والآيتين 16-17 من سورة الجاثية 45. ويتكرّر ذِكر الخلاف أيضًا في السور المدنيّة مثل الآية 113 من سورة البقرة 2؛ والآية 19 من سورة آل عمران 3. وتكثر مسألة وقوع الاختلاف بعد مجيء الوحي في السور المكّيّة المتأخّرة مثل الآية 19 من سورة يونس 10؛ والآية 39 من سورة النحل 16؛ والآيتين 3 و46 من سورة الزمر 39 (وحتّى في السورة المكّيّة الوسطى كما في الآية 53 من سورة المؤمنون 23)؛ وفي السور المدنيّة مثل الآيتين 176 و213 من سورة البقرة 2؛ انظرْ أيضًا الحاشيتين رقم 7 و29 أعلاه، والحاشية رقم 42 أدناه.

32 موضوع الوحدة الأوّليّة الّتي يعقبها التفرّق شائعٌ في الخطاب اليهوديّ والمسيحيّ، على سبيل المثال:

Tosefta Hagiga 2:9; Sanhedrin 7:1; Clementine Recognitions 1.54; Irenaeus, Against Heretics 3.4.3.

انظرْ مناقشة ممتازة في: “Cohen, “A Virgin Deflied؛ وانظرْ أيضًا: “Iricinschi & Zellentin, “Making Selves.

33 لتلخيص الاتّهامات القرآنيّة والمسيحيّة بتحريف الكتاب، انظرْ:

Reynolds, “On the Qurʾānic Accusation of Scriptural Falsification”;

ولعرضٍ أوسع يشمل العصر القديم المتأخّر، انظرْ:

Moiseeva, “The Old Testament in Fourth-Century Christian-Manichaean Polemic”; ­Carlson, Jewish-Christian Interpretation of the Pentateuch in the Pseudo-Celmentine Homilies; Hoffman, “­Verfälschung der Jesus-Tradition”; Zellentin, “On Letter Yud Shall Not Pass Away from the Law”.

34 عن سورة الشعراء 26، انظرْ: Griffith, The Bible in Arabic, pp. 64–71. ولدور محمّد كنذير انظرْ: “Saleh, “The Preacher؛ وانظرْ أيضًا الحواشي رقم 7، و29، و30 أعلاه.

35 عن فكرة نزول القرآن بلسان عربيّ مبين، انظرْ أيضًا: الآية 105 من سورة النحل 16، والحاشية رقم 42 أدناه. وكذلك نقرأ في مفتتح سورة يوسف 12 وهي مكّيّة متأخّرة: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ونجد الربط بين اللسان العربيّ والفهم في الآية الثالثة من سورة الزخرف 43 وهي مكّيّة وسطى؛ وكذلك نجد تشديدًا على عربيّة القرآن في الموضع المكّيّ الأوسط التالي: الآية 113 من سورة طه 20، والمواضع المكّيّة المتأخّرة التالية: الآية 44 من سورة فصلت 41؛ والآية 28 من سورة الزمر 39؛ والآية 3 من سورة فصلت 41؛ والآية 7 من سورة الشورى 42؛ والآية 12 من سورة الأحقاف 46 (وانظرْ أيضًا: الآية 37 من سورة الرعد 13 الّتي تصف القرآن بأنّه ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾). عن فكرة عربيّ وأعجميّ انظرْ: “Hoyland, “ʿArabi and Aʿjami in the Qurʾān، حيث نقّح بشيء من الحرص تشديد بيتر ويب (Webb, Imagining the Arabs) على أنّ فكرة الهويّة القوميّة العربيّة لاحقةٌ على القرآن. لم يتناول روبرت هويلاند في هذه الدراسة قول مانفرد كروب (“Kropp, “Lisān ʿarabyy mubīn) أنّ لفظ أعجميّ مترجم عن اللغة الحبشيّة (الجعيزية). قد تشير عبارة ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ إلى الكتاب الذي أُنزل على داود (انظرْ: الآية 105 من سورة الأنبياء 21؛ والآية 55 من سورة الإسراء 17؛ والآية 163 من سورة النساء 4) لكنّها تشير هنا إلى جميع الكتب المقدّسة السابقة على الأرجح (انظرْ: الآيتين 43 و52 من سورة القمر 54؛ والآية 5 من سورة المؤمنون 23؛ والآية 44 من سورة النحل 16) كما بيّن ثاقب حسين (Hussain, “Wisdom”, pp. 127–140).

36 عن لفظ علم انظرْ: Ambros, A Concise Dictionary of Koranic Arabic, pp. 193–194. نجد الجذر ع-ل-م مستعملًا في نصوص قديمة من جنوب الجزيرة العربيّة بمعنى التصديق على وثيقة بخاتم أو توقيع، وهو معنى قريب من سياق الآية 197، انظر: Stein, Lehrbuch der sabäischen Sprache, p. 75. ولذلك، قد لا تفيد هذه الآية العلم بالمعنى الفكريّ الواسع للكلمة (المعرفة والتبيّن) فحسب وإنّما العلم بالمعنى القانونيّ الأضيق للكلمة (التثبّت من الصحّة) أيضا؛ وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 16 أعلاه.

37 انظرْ أيضًا: Hoyland, “ʿArabi and Aʿjami”, pp. 111–112. تستلزم الجملة الشرطيّة في الآية 199: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ الإيمان الفعليّ. لكن على من بالتحديد تحيل الضمائر (في عليهم وكانوا) هنا؟ أكثر المفسّرين يقولون إنّها تحيل على المكّيّين، لكنّني أرى أنّها قد تحيل على علماء بني إسرائيل المذكورين في الآية 197. فالخطوة الّتي تفصل بين «معرفة» الوحي أو «التصديق» عليه والإيمان به ليستْ واسعةً، ولقد آمن رجلٌ من بني إسرائيل، على أيّ حال، كما تخبرنا الآية العاشرة من سورة الأحقاف 46. ولا يوجد شيء في التراث اليهوديّ أو المسيحيّ يمنع من بلوغ النبوّة غير الإسرائيليّين، كما يتبيّن من مثال بلعام. ينصّ الربّيّون على أنّ النبوّة الإسرائيليّة بحقٍّ قد انقطعتْ (انظرْ، على سبيل المثال: Bavli Sanhedrin 11a؛ وانظرْ أيضًا: Yoma 9b, Sotah 48b). وعلى حدّ علمي، لا يوجد نصٌّ يهوديّ صريح يمنع نبوّة غير الإسرائيليّين، بل إنّ الإلهام الإلهيّ ظل ممكنًا في أمّة إسرائيل (انظرْ: “Alexander, “The Formation of the Biblical Canon، وقارنْ مع: “Neusner, “The Rabbis and Prophecy). أمّا التراث المسيحيّ فقد ظلّ متقبّلًا بشيءٍ من الحذر لإمكانيّة النبوّة. ختم النبوّة واكتمالها مذكور في العهد الجديد (على سبيل المثال: الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 13: 8، وإنجيل متّى 16: 18)؛ لكن كانت هذه مسألةً مختلفًا عليها في أيّام الكنيسة المبكّرة، في أثناء الجدل حول الحركة المونتانيّة، خاصّةً (انظرْ، على سبيل المثال: Trevett, Montanism). ولقد عبّر جيروم بإيجاز عن الموقف المسيحيّ الملتبس من النبوّة بعد المسيح في قوله التالي، في معرض الحديث عن أتباع مونتانوس: «إنّنا لا نرفض النبوّة بحدّ ذاتها – فآلام المسيح تشهد عليها – وإنّما نرفض الأنبياء الّذين لا تتّفق أقوالهم مع الكتاب المقدّس، قديمه وجديده» (Letter 41 to Marcella 2, NPNF2 6: 55). وهكذا يتلافى القرآن، بتشديده المتكرّر على كونه غير إسرائيليّ وعلى كونه متّفقًا مع الكتب السابقة ومصدّقًا لها، الاعتراضين اليهوديّ والمسيحيّ المتعلّقين بالنبوّة (انظر: Zellentin, The Qurʾānic Legal Culture, pp. 137–140).

38 عن يوسف الطبريّ، انظرْ: Epiphanius, Panarion 30، وتحليلات كلٍّ من:

“Boyarin, Border Lines, pp. 210–214; Goranson, “Joseph of Tiberias Revisited.

39 انظرْ الحاشية رقم 32 أعلاه.

40 تُعدّ قصة شفاء المسيح لابن الجنديّ الرومي في إنجيل متّى 8: 5-13 وإنجيل لوقا 7: 1-10، التي تُختتم بقول المسيح: «لم أجد هذا القدر من الإيمان عند أيّ أحد من بني إسرائيل» (متّى 8: 10)، مثالًا على «التفكير (اليهوديّ) مع الأمّيّين» الّذي ظلّ موجودًا – وهو أمرٌ معقول – في الكتابات الربّيّة (انظرْ: “Bar-Asher Siegal, Jewish-Christian Dialogues; “Nazarenes in Rabbinic Sources). في المقابل، نجد الكثير من الأمثلة على «التفكير مع اليهود»، بعبارة باولا فردركسِن الموفّقة (Fredriksen, Augustine and the Jews, p. 353)، في شتّى كتابات آباء الكنيسة، ولعلّ أشهرها كتاب Dialogue with Trypho (مناظرة مع تريفو) لچُستين الشهيد، الّذي تلعب فيه شخصيّة تريفو دور الخصم الفكريّ كما هو واضح (انظرْ: “Rajak, “Talking at Trypho)؛ انظرْ أيضْا الحاشية رقم 9 أعلاه.

41 تنطوي عبارة ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ في الآية 103 على دلالة قدحيّة. ففعل لَحَدَ مستعمل بمعنى قدحيّ في الآية 180 من سورة الأعراف 7 (مكّيّة متأخّرة)؛ والآية 40 من سورة فصّلت 41 (مكّيّة متأخّرة)؛ وانظرْ أيضْا: الآية 25 من سورة الحجّ 22 (مدنيّة)، وانظرْ: Ambros, A Concise Dictionary, p. 245.

42 عن لفظ افتراه، انظر: Ambros, A Concise Dictionary, p. 212؛ محمّد متّهم باختلاق القرآن باستمرار، انظرْ على سبيل المثال: الآية 38 من سورة يونس 10؛ والآية الرابعة من سورة الفرقان 25، الّتي سنتناول الآية التالية عليها في الفقرة التالية.

43 أرى أنّ نصّ القرآن على أنّ اليهود والمسيحيّين يتكلّمون بلسانٍ غير عربيّ يشير إلى أنّ لغتهم الدينيّة والتعبديّة (اللترجيّة) التراثيّة ليستْ عربيّةً، وليس إلى أنّهم لا يقدرون على التكلّم بعربيّةٍ واضحة في المطلق، وانظرْ الحاشية رقم 34 أعلاه. ويدعم ذلك أنّه لم توجد أيّ عوائق لغويّة أعاقتْ تواصل المؤمنين مع اليهود والمسيحيّين في مكّة، كما سنبيّن أدناه. قد تكون أطروحة سيدني جرفِث – القائلة بأنّ أجزاءً من الكتاب المقدّس كانت متداولة شفهيًّا باللغة العربيّة في جزيرة العرب في العصر القديم المتأخّر – صحيحة (Griffith, The Bible in Arabic, pp. 7–53)، لكن تلمّح إحالات القرآن على اليهود والمسيحيّين وكتبهم – وعلى تميّز القرآن عنها – في العموم إلى أنّ اللغة الّتي استعملها اليهود والمسيحيّين من سكّان جزيرة العرب في العبادة لم تكن عربيّةً.

44 يختلف تأويلي للآية 103 من سورة النحل 16 عن تأويل كلود جيليو الّذي يستشهد بها لدعم قوله بأنّ القرآن قد اعتمد على كتاب أذكارٍ موقوتة مسيحيّ (Gilliot, “Des indices d’un proto-lectionnaire”, p. 460–464). وأرى أن جيليو لم يأخذ في حسبانه، كما ينبغي له، الطبيعة الشفهيّة بالكامل للثقافة العربيّة في العصر القديم المتأخّر؛ ولنقد زعم جونتر لولينج المشابه القائل بأنّ القرآن مبنيٌّ على مصدرٍ مسيحيّ مكتوب، انظرْ: “Zellentin, “Q96 Sūrat al-ʿAlaq Between Philology and Polemics.

45 من الأمثلة المشابهة الّتي لم أتناولها لضيق المقام الآية 22 من سورة الكهف 18؛ والآية 91 من سورة الأنعام 6؛ لكن انظرْ: “Goudarzi, “The Second Coming.

46 نجد تتميماتٍ واضحة للكتب السابقة في المواضع الّتي تتحدّث عن الغيب، على سبيل المثال: الآية 49 من سورة هود 11؛ والآية 102 من سورة يوسف 12؛ والآية 22 من سورة الحج 22. ولتصويبات الأخبار اليهوديّة والمسيحيّة انظرْ الحاشية رقم 32 أعلاه، وما يلي.

47 يمكن استنباط كون أهل الذِكر يهودًا أو مسيحيّين من استعمال القرآن لفظ ذِكر للإشارة إلى القصص الكتابيّة؛ وعن استعماله الكتابيّ انظرْ: Griffith, The Bible in Arabic, pp. 60–62؛ وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 15 أعلاه والحاشية رقم 49 أدناه. علاوةً على ذلك، وحدهم العلماء اليهود والمسيحيّون كانوا خليقين بهذا الوصف، أهل الذِكر، في زمن القرآن.

48 عن فعل جادَلَ، انظرْ: Ambros, A Concise Dictionary, p. 57؛ وانظرْ أيضًا التعليق المفيد لفالكينبرج (Valkenberg, No Power Over God’s Bounty, pp. 282–286).

49 لهذا الموضع، انظرْ:

“Pregill, “The Two Sons of Adam”, Zellentin, “Die Entstehung des koranischen Rechts؛ وانظرْ الحاشية رقم 60 أدناه.

50 من الخطأ أن نبالغ في تضخيم الفروق بين المصطلحات الثلاثة الّتي تستعملها السور المدنيّة للإشارة إلى اليهود والمسيحيّين. ويشهد على ذلك الجمع بينها باستعمالها في نفس الموضع. على سبيل المثال: في سورة البقرة 2 ورد مصطلح «اليهود والنصارى» في الآية 120 (الّتي تتحدّث عن الحاضر)، وتتحدّث الآية 121 عن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وتتحدّث الآية 122 عن بني إسرائيل، ممّا يشير إلى أهمّيّة ربط القرآن بين ماضي الإسرائيليّين وحاضرهم؛ انظرْ الحاشية رقم 28 أعلاه؛ وانظرْ أيضًا الحاشيتين رقم 15 و46 أعلاه.

51 يبدو أنّ الاستثناء الوحيد من هذه المواضع المتعلّقة بحاضر المؤمنين هو الآية 159 من سورة النساء 4 الّتي تتحدّث عن المستقبل: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖوَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. تردّد هذه الآية، بتصرّف، صدى الأقوال المسيحيّة الّتي تتنبّأ بإيمان بني إسرائيل بالمسيح في آخر الزمان، كما نجد على سبيل المثال في: الرسالة إلى أهل روميّة 11: 25-26، وفي كتابات آباء الكنيسة، كأورجين وثيدور المصيصيّ، على سبيل المثال، وبدرجةٍ أقلّ عند يوحنّا ذهبيّ الفم، كم بيّن جرمي كوهين (“Cohen, “The Mystery of Israel’s Salvation)؛ وكذلك نجد هذا التنبّؤ في نبوءات سيبيل التيفوليّة (Tiburtine Sibyl) غير المؤرّخة، انظرْ: Sackur, Sibyllinische Texte und Forschungen، وقارنْ مع: Shoemaker, The Apocalypse of Empire, pp. 43–48.

52 يتواجد المصطلحان بجوار بعضهما في المواضع التالية: آل عمران 3: 93 و 98؛ المائدة 5: 12 و 15؛ والمائدة 5: 68 و70؛ وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 49 أعلاه.

53 يميّز الشرع الرِبّيّ بين اليهود والأميّين فيما يخصّ القروض: يجوز لليهوديّ إقراض اليهوديّ والأمّيّ (غير اليهوديّ)، ويجوز له أن يأخذ فائدةً على القرض من الأمّيّ لكن لا يجوز له أخذها من اليهوديّ. انظرْ، على سبيل المثال: Mishna Bava Metsiʿa 5:6, Bavli Bava Metsiʿa 70b–71a؛ و“Gamoran, “Talmudic Usury Laws and Business Loans. لا يجوز في الشرع الرِبّيّ عدم ردّ القروض إلى الأمّيّين، لكنّ تمييزه بين اليهود والأمّيّين في هذا الصدد قد سمح للقرآن باتّهامه بهذه التهمة المغالية.

54 عن المنافقين في القرآن، انظرْ الحاشية رقم 18 أعلاه.

55 عن الوجوه العقَديّة (اللاهوتيّة) للعنف الدينيّ في العصر القديم المتأخّر وصدر العصر الوسيط، انظرْ، على سبيل المثال: Shaw, Sacred Violence; Sizgorich, Violence and Belief in Late Antiquity، وانظرْ أيضًا: Sinai, The Qur’an, pp. 188–196، وقارنْ مع: “Tesei, “Heraclius War Propaganda.

56 عن هذه الآية، انظر، على سبيل المثال: Zellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 181–199.

57 ذكّرني محسن جودارزي بأنّ لفظ يهود يستدعي معنى الفعل هاد (تاب وآب إلى الله)، المستعمَل في الآية 156 من سورة الأعراف 7 على لسان بني إسرائيل. ولاحتماليّة ترديد القرآن هنا للرأي السريانيّ القائل بأنّ كون المرء يهوديًّا يعني كونه تائبًا، انظرْ: Zellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 204–205.

58 عن هذه الآية وتأويلاتها، انظرْ: Zellentin, The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 162–164.

59 بعدما اتّهمتْ الآية 14 من سورة المائدة 5 المسيحيّين بنسيان جزء من الكتاب، نصّتْ الآية التالية عليها على أنّ محمّدًا قد جاء إلى «أهل الكتاب»لـ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. التهمة بإخفاء جزءٍ من الكتاب شديدة بالطبع لكنّ النصّ على العفو من شأنه، على الأرجح، أن يرغّب المسيحيّين في الإيمان بالرسول.

60 عن الخطاب التشريعيّ المشترك بين القرآن والتراث المسيحيّ، انظرْ، على سبيل المثال:

Zellentin, Law Beyond Israel, pp. 18–29; The Qurʾān’s Legal culture, pp. 127–145.

وانظرْ أيضًا: “Shaddel, “Qurʾānic ummi.

61 يبدأ هذا المقطع (المائدة 5: 27–50)، بقتل أحد ابنيْ آدم لأخيه، ثمّ ينتقل إلى مسألة الأحكام وفق الشريعتين اليهوديّة والمسيحيّة المتداخلتين وشريعة الأمّة الإسلاميّة الوليدة؛ انظرْ الحاشية رقم 48 أعلاه. ولقد حاججت فيما سلف عن أنّ القرآن يتناول هنا أحكامًا شرعيّة يهوديّة ومسيحيّة محدّدة (انظرْ، على سبيل المثال: “Zellentin, “Die Entstehung). وينبغي لهذا السياق التشريعيّ أن يوجّه فهمنا للآية 41 من السورة. ترد صيغة الفعل «أُوتِيتُمْ» غالبًا في معرض الحديث عن الوحي أو نعم الله، كما في الآية 73 من سورة آل عمران 3؛ والآية 85 من سورة الإسراء 17؛ والآية 60 من سورة القصص 28؛ والآية 36 من سورة الشورى 42. وبالمثل يمكن لفعل «فَاحْذَرُوا» أن يتعلّق بالله كما في الآية 235 من سورة البقرة 2. وعلى ذلك يتّضح أنّ اليهود يشكّكون هنا في أنّ الأحكام الّتي يقضي بها محمّدٌ موحاةٌ إليه من الله.

62 انظرْ الحاشية رقم 32 أعلاه.

63 عن زعمهم أنّهم أحبّاء الله، انظرْ الحاشية رقم 65 أدناه. وعن قولهم «يد الله مغلولة»، انظرْ:

Lowin, “ʻThe Jews Say the Hand of God Chained’”.

64 كما أشار الدارسون السابقون، ليس من الواضح ما إذا كانت عبارة ﴿إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ تُعدّ تعبيرًا دقيقًا عن التسمية الّتي استعملها المسيحيّون في جزيرة العرب أم لا. إنّه مصطلحٌ معقّد، ومطابق علاوة على ذلك لوصف الحواريين بأنّهم أنصار الله، كقولهم، على سبيل المثال، في الآية 14 من سورة الصف 61: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾. عن معنى مصطلح «النصارى»، انظرْ: “Griffith, “Al-Nasārā in the Qurʾān، وانظرْ حاليًّا: “Bar-Asher Siegal, “Nazarenes، وانظرْ الحاشية رقم 16 أعلاه.

65 نجد نظائرَ مفهوميّة ومعجميّة لقول اليهود والمسيحيّين بأنّهم ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (الآية 18 من سورة المائدة 5، على سبيل المثال) في خطابات رِبّيّة ومسيحيّة (انظرْ: Zellentin, “Aḥbār and Ruhbān”, pp. 265–267؛ وقارنْ مع: “Dascalu, “Revesiting Qur’anic aḥbār in Historical Context). بل إنّنا نجد نظائرَ سابقة لهجوم القرآن على اليهود والمسيحيّين بسبب مزاعمهم عن استثنائيّتهم؛ فقد نقل أوريجون قول الفيلسوف اليونانيّ سيلسوس بأنّه من غير المرجّح أن يكون اليهود – وعلى مقامهم وشهادتهم تقوم المسيحيّة – «مفضّلين عند الله ومحبوبين له أكثر من غيرهم من الأقوام، وأن يكون الملائكة قد أُرسلوا إليهم دون غيرهم»، انظرْ: Origen, Contra Celsum 5.41, 50، مستشهَدٌ به في: Chadwick, Origen, pp. 279–303؛ ولمناقشة هذا الموضوع، انظرْ: Schäfer, Judeophobia, pp. 44–46.

66 انظرْ: Ambros, A Concise Dictionary, pp. 295–297، وانظرْ أيضًا الآيات 78-80 من سورة المائدة 5، الّتي ناقشناها أعلاه. ولورود هذا الجذر في نقوش جنوب الجزيرة العربيّة بمعنى «امرأة في حماية رجل»، انظرْ: Robin, Les hautes-terres, p. 4.

67 من العسير تحديد هويّة الصابئين، وللرأي القائل أنّهم «الأمّيّين المستهودين» (God-Fearers)، انظرْ: Goudarzi, “The Second Coming”, p. 8 n 23.

68 انظرْ: Zellentin, “Aḥbār and Ruhbān”; Palombo, “ʻWhy Do the Rabbis...’”; Beeston, “Foreign Looanwords in Sabaic”, p. 42؛ وانظرْ أيضًا الحاشية رقم 16 أعلاه.

69 قد يحيل لفظ ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ في الآية 79 من سورة آل عمران 3 على الرِبّيّين، ونجد استعمالًا مختلفًا لنفس الجذر في الآية 146 من نفس السورة؛ وانظرْ: “Zellentin, “Die Entstehung.

70 نجد في Mishna Pirqe Avot 1: 1–18 هذه السلسلة النقليّة (أو الإسناد): تلقّى موسى التوراة (الشفهيّة على الأرجح) على جبل سيناء ثمّ نقلها إلى يوشع، الّذي نقلها إلى شيوخ بني إسرائيل، الّذين نقلوها إلى الأنبياء، الّذين نقلوها إلى شيوخ الكنيس الكبير، الّذين نقلوها إلى الرِبّيّين. وعن اتّصال نقل التوراة الشفهيّة من سيناء إلى الرِبّيّين، انظرْ أيضًا:

Leviticus Rabbah 22:1; Yerushalmi Hagiga 1.8 (76d, 32–37); Yerushalmi Peah 2:4 (10a); Bavli Berakhot 5a.

وانظرْ أيضًا: Zellentin, “Die Entstehung”; The Qurʾān’s Legal Culture, pp. 143–144.

ونجد إسنادًا مشابهًا في المواعظ الكلمنتيّة، انظرْ: Clementine Homilies 2: 38; 3: 18–19, 47.

وانظرْ: Reed, “Jewish Christianity as Counterhistory”, p. 21.

71 انظرْ: Zellentin, “Aḥbār and Ruhbān”, pp. 267–271. ولقد قَبِل رافايل دسكالو (“Dascalu, “Revisiting the Qur’anic aḥbār) القول الذي طرحته في تلك الدراسة، لكن مع نقدٍ، أرجو أن أردّ عليه في الوقت المناسب.

72 تتّهم الآية 42 من سورة المائدة 5 اليهود بأنّهم ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ وانظرْ أيضًا الآيتين 62-63 من نفس السورة.

73 نقد ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ في الآية 63 من سورة المائدة 5 مذكورٌ في سياق توبيخ لـ«أهل الكتاب» (المذكورين في الآيتين 59 و68)، ومتبوع باتّهام اليهود بأنّهم يقولون ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (الآية 64؛ وانظرْ الحاشية رقم 62 أعلاه)؛ وكذلك ورد ذِكر اليهود والمسيحيّين مرّةً أخرى في الآية 69.

74 «أهل الكتاب» متّهمون بالصدّ عن سبيل الله في الآية 99 من سورة آل عمران 3 (وفي الآية 167 من سورة النساء 4 أيضًا، على الأرجح)، لكنّ هذا التعبير مستعملٌ في سياقاتٍ أخرى كما في الآيتين 45 و86 من سورة الأعراف 7. وكذلك الاتّهام بأكل أموال الغير بالباطل مستعمل في سياقاتٍ شتّى، كما في الآية 188 من سورة البقرة 2؛ والآية 29 من سورة النساء 3؛ والآيتين الثانية والعاشرة من سورة النساء 3 المتعلّقتان بأموال اليتامى. ونجد في التراث المسيحيّ تحذيرات مشابهة للأساقفة من التعدّيات الماليّة، انظرْ:

Zellentin, “Aḥbār and Ruhbān”, 280–281.

75 يرى محسن جودارزي أنّ هويّة الأمّة القرآنيّة هويّة «إسماعيليّة»، تجمع بين مناحي عموميّة وخصوصيّة (“Goudarzi, “The Ascent of Ishmael). وأجد رأي جودارزي مقنعًا من حيث المبدأ، لكنّني أرى أنّنا سنصيب كبد الحقيقة لو قلنا أنّ القرآن يشدّد على هويّته الإبراهيميّة الّتي انتقلتْ من إبراهيم إلى أمّة النبيّ محمّد من خلال إسماعيل. وأخيرًا، يظلّ التوفيق بين نسب قبائل العرب المفصّل في كتب التاريخ الإسلاميّة وأدلّة القرآن أمنية بعيدة المنال في حقل الدراسات القرآنيّة.

Haut de page

Pour citer cet article

Référence papier

هولجر زلنتين, « بنو إسرائيل، وأهل الكتاب، واليهود والنصارى »MIDÉO, 40 | 2025, 31-86.

Référence électronique

هولجر زلنتين, « بنو إسرائيل، وأهل الكتاب، واليهود والنصارى »MIDÉO [En ligne], 40 | 2025, mis en ligne le 01 juillet 2025, consulté le 13 août 2026. URL : http://journals.openedition.org/mideo/10886

Haut de page

Auteur

هولجر زلنتين

جامعة توبنجِن، ألمانيا

Haut de page

Traducteur

طارق عثمان

باحث مستقلّ

Haut de page

Droits d’auteur

CC-BY-NC-ND-4.0

Le texte seul est utilisable sous licence CC BY-NC-ND 4.0. Les autres éléments (illustrations, fichiers annexes importés) sont susceptibles d’être soumis à des autorisations d’usage spécifiques.

Haut de page
Rechercher dans OpenEdition Search

Vous allez être redirigé vers OpenEdition Search